كُتاب الرأي

عمى النجاح الاستراتيجي في الجامعات

عمى النجاح الاستراتيجي في الجامعات

عندما تتحول إنجازات الأمس إلى عوائق أمام المستقبل.
————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.

⸻————————-

بعد مقالتي السابقة  “عمى النجاح الاستراتيجي” قال لي زميل أكاديمي أعتز به كثيراً: هل ينطبق عمى النجاح الاستراتيجي على الجامعات؟.

كان السؤال في محله، بل أراه من الأسئلة التي تستحق نقاشاً جاداً في أوساط القيادات الأكاديمية؛ لأن الجامعات، شأنها شأن المؤسسات الأخرى، قد تقع في فخ التمسك بالنماذج والممارسات التي حققت لها النجاح، دون أن تنتبه إلى أن البيئة المحيطة بها تتغير بصورة مستمرة.

عندما يصبح النجاح سبباً للجمود

قد تنجح الجامعة في تنفيذ خطتها الاستراتيجية، وتحقيق مستهدفاتها في الاعتماد الأكاديمي، والتصنيفات العالمية، والنشر العلمي، والشراكات، وتطوير البرامج الأكاديمية. لكن السؤال المهم :  هل تعني هذه الإنجازات بالضرورة أن الجامعة أصبحت أكثر استعداداً للمستقبل؟

قد تكون الإجابة مختلفة .. فالجامعة التي تحقق نتائج جيدة وفق مؤشرات اليوم ليست بالضرورة مستعدة لمتطلبات الغد.

وتظهر المشكلة عندما تعتقد القيادة الجامعية أن النماذج التي حققت النجاح سابقاً لا تحتاج إلى مراجعة، فتستمر في تقديم البرامج الأكاديمية بالأساليب نفسها، وتستخدم أدوات التقييم ذاتها، وتتمسك بأولويات قد لا تتناسب مع التحولات الجديدة في التعليم وسوق العمل.

التصنيفات ليست هي الاستراتيجية:

وهي ربما تصبح من المظاهر التي تستحق الانتباه أن تتحول التصنيفات الجامعية من أدوات لقياس جوانب من الأداء إلى غايات تسعى الجامعة للمحافظة عليها.
فقد تتقدم الجامعة في التصنيفات العالمية، لكن السؤال الأهم هو هل انعكس ذلك على جودة تجربة الطالب؟ وهل أصبحت أبحاثها أكثر ارتباطاً بالتحديات الوطنية؟ وهل تسهم برامجها في إعداد خريجين يمتلكون المهارات التي يحتاجها المستقبل؟
ولا شك أن التصنيفات مهمة، لكنها لا ينبغي أن تختزل رسالة الجامعة أو تحدد وحدها اتجاهها الاستراتيجي.

الإنجاز لا يعني الجاهزية للمستقبل:

خاصة وأن التعليم العالي يشهد تحولات متسارعة، من الذكاء الاصطناعي والتخصصات البينية إلى أنماط التعلم الجديدة وتغير احتياجات سوق العمل.
وهذه التحولات تفرض على الجامعات مراجعة برامجها، ونماذجها التعليمية والبحثية، وأولوياتها الاستثمارية.

ومن هنا تبرز أهمية التفكير في المستقبل والاستعداد له
بحيث نمارس الاستشراف الاستراتيجي المستقبلي للجامعة ، فالجامعة لا ينبغي أن تنتظر ظهور التحديات حتى تبدأ في التعامل معها، بل تحتاج إلى قراءة المتغيرات، وبناء السيناريوهات الإستراتيجية واكتشاف الفرص المتاحة  قبل أن تتحول إلى واقع يفرض عليها خيارات محدودة جداً.

وهنا تتجلى مسؤولية القيادة الجامعية:

إذ إن تجاوز عمى النجاح الاستراتيجي يتطلب قيادة لا تكتفي بالاحتفاء بالإنجازات، بل تراجع مدى استدامتها وملاءمتها للمستقبل.

كما يتطلب بناء ثقافة مؤسسية تشجع التفكير النقدي، وتتقبل مراجعة القرارات السابقة، وتمنح مساحة للتجريب والابتكار، دون أن تجعل المحافظة على الممارسات التقليدية عائقاً أمام التطوير.

ومن المهم كذلك أن يشمل تقييم الأداء بالإضافة إلى أعداد الخريجين وعدد الأبحاث والبرامج والشراكات ليشمل جودة المخرجات والأثر البحثي والمجتمعي، ومدى مواءمة البرامج مع احتياجات المستقبل وإحتياجات المجتمع.

وأكدت لزميلي، الذي توقعت أن يتولى منصباً قيادياً في المجال الأكاديمي ، أن الإجابة هي: نعم، بالتأكيد ينطبق على الجامعات عمى النجاح الإستراتيجي
وربما تكون مخاطره أكثر امتداداً لأن أثر القرارات الجامعية لا يتوقف عند حدود المؤسسة، بل ينعكس على مستقبل المعرفة، وتأهيل الكفاءات، والتنمية المجتمعية والاقتصادية..
فالجامعة الناجحة ليست فقط التي تحافظ على إنجازاتها، بل التي تمتلك القدرة على مراجعة نماذج نجاحها، وتطوير أولوياتها، والتكيف مع المتغيرات دون أن تفقد هويتها ورسالتها.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه القيادات الجامعية على نفسها هو:
هل جعلتنا إنجازاتنا الاستراتيجية أكثر استعداداً للمستقبل، أم جعلتنا أكثر تمسكاً بالطريقة التي نجحنا بها في الماضي؟؟

كاتب رأي 

 

 

 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.