كُتاب الرأي

الأمير محمد بن سلمان ورهانات دول الجوار

الأمير محمد بن سلمان ورهانات دول الجوار

حين تتجاوز المواجهة حدود السياسة إلى الصراع بين الحق والباطل.

————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.

أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

—————————————-
في ظل ما تشهده منطقتنا  من تحديات سياسية وأمنية معقدة ومتشابكة ، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى عمق المصالح الاستراتيجية..  لماذا تراهن بعض الأطراف الإقليمية على دعم جماعة الحوثي في وقت تقتضي فيه الجغرافيا والتاريخ والعلاقات الإنسانية والمصالح المشتركة بناء علاقات متينة مع المملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي في المنطقة؟؟
الحقيقة إنها تساؤلات تستحق التفكير و التأمل، خصوصاً  عندما يتعلق الأمر بأمن المملكة واستقرار اليمن ومستقبل العلاقات بين دول الجوار  في منطقة لا تحتمل المزيد من الإضطرابات والصراعات.
ولكن الأمير محمد بن سلمان.. قيادة تواجه التحديات برؤية استراتيجية في خضم هذه التحديات إذ تتصدر قضايا الأمن الوطني وحماية المصالح الاستراتيجية أولويات القيادة السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله ، في مرحلة تتطلب قرارات مدروسة ورؤية بعيدة المدى وقدرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
إذ إن التعامل مع الأزمة اليمنية ليس مجرد مواجهة عسكرية بل هو ملف استراتيجي متشعب ومتشابك تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية وتتطلب معالجته مزيجاً  من الحزم والحنكة الدبلوماسية والعمل من أجل حلول مستدامة.
وتظل الغاية بل الهدف المنشود أن ينعم اليمن بالأمن والاستقرار وأن يتمكن شعبه الشقيق من استعادة دولته ومؤسساته والانتقال من دوامة الصراع إلى مرحلة البناء والتنمية بعيداً  عن الصراعات التي تزيد الانقسام وتطيل أمد الأزمة.
فأمن اليمن ليس قضية هامشية بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية  بل يرتبط ارتباطاً  وثيقاً  بأمن حدودها واستقرار شبه الجزيرة العربية والمنطقة بأسرها.
واليوم تواجه المملكة تحديات أمنية مرتبطة بالحرب في اليمن بما في ذلك الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي والتهديدات التي تستهدف الحرمين الشريفين والأراضي السعودية والمنشآت الحيوية. وتكتسب هذه التحديات أهمية بالغة حين تتصل بسلامة المدنيين وأمن المرافق الحيوية، فضلاً عن المكانة العظيمة للحرمين الشريفين في قلوب المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
إن حماية أمن المملكة وسيادتها مسؤولية وطنية ثابتة، والمملكة تمتلك مقومات الدفاع عن أراضيها ومصالحها وتستند إلى مؤسسات راسخة وقدرات دفاعية وإلى شعب وفي ومخلص يعتز بوطنه ويلتف حول قيادته في مواجهة التحديات.
وليس معنى ذلك أن المملكة تبحث عن التصعيد أو تسعى إلى توسيع دائرة الصراع بل إن قوة الدولة الحقيقية تظهر في قدرتها على حماية أمنها وردع التهديدات وإدارة الأزمات بما يحقق الاستقرار ويحفظ مصالح الأجيال القادمة.
فالمملكة العربية السعودية بما تملكه من مكانة إقليمية ودولية تستطيع الجمع بين حماية أمنها الوطني والتحرك السياسي والدبلوماسي والعمل على إيجاد حلول تضع حداً  لمعاناة اليمنيين وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
لكن ماهو السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه:
السؤال الذي ينبغي ألا يظل بلا إجابة هو ماذا تريد دول الجوار؟
وهنا تبرز القضية الأكثر إثارة للتساؤل: ما المصلحة الحقيقية التي قد تجنيها بعض دول الجوار من مساندة جماعة الحوثي الإرهابية ،في وقت تقتضي فيه الجغرافيا المكانية والتاريخ والمصالح المشتركة أن تكون العلاقة مع المملكة العربية السعودية قائمة على التعاون المشترك وحسن الجوار لا على دعم القوى التي تهدد أمنها واستقرارها؟
إن المملكة  دولة راسخة في معادلة المنطقة هي الجار الأكبر والثقل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الذي يصعب تجاهل أثره في حاضر المنطقة ومستقبلها. كما أن العلاقة معها ليست مجرد حسابات عابرة بل ترتبط بمصالح متبادلة وروابط جغرافية وتاريخية وتحديات أمنية مشتركة.
ومن هنا فإن أي سياسة إقليمية تسهم في إطالة أمد الحرب أو تعزيز قدرات الجماعات الحوثية المسلحة الإرهابية تطرح أسئلة مشروعة حول أهدافها ونتائجها ومدى انسجامها مع مصلحة المنطقة واستقرار شعوبها.
فهل تحقق هذه السياسات مكاسب استراتيجية حقيقية؟ أم أنها رهانات قصيرة النظر قد تفضي إلى نتائج تتجاوز حسابات أصحابها؟
إن التجارب السياسية عبر التاريخ تؤكد أن توظيف الصراعات لتحقيق مكاسب آنية قد يفتح أبواباً  يصعب إغلاقها وأن الأطراف التي تسهم في تأجيج النزاعات قد تجد نفسها لاحقاً  في مواجهة تداعياتها.. تذكروا أن الأزمات لا تبقى دائماً ضمن الحدود التي رُسمت لها والنفوذ الذي يُبنى على إضعاف الآخرين قد يتحول إلى مصدر تهديد للجميع والتاريخ لا ينسى المواقف.. والرهانات الخاطئة لها ثمن.. كما إن التاريخ لا ينسى المواقف ولا يمنح السياسات الخاطئة حصانة من عواقبها. فالدعم الذي يُقدَّم اليوم لتحقيق مكاسب آنية قد يتحول غداً  إلى عبء استراتيجي على أصحابه وقد ترتد تداعياته على الجهات التي راهنت عليه بل ربما على الأطراف التي ظنت أنها قادرة على توظيفه لخدمة مصالحها.
فمن يفتح أبواب النفوذ للفوضى قد يجد نفسه يوماً من الأيام أول المتضررين منها، ومن يراهن على تهديد أمن جاره قد يكتشف أن نار الصراع لا تعرف حدوداً  مرسومة سلفاً..
وليس من الحكمة في شئ أن تُبنى العلاقات بين الدول على حسابات تتجاهل البيئة الجغرافية، أو أن تُقدَم الخلافات السياسية المؤقتة على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد. فالدول قد تختلف في تقدير المواقف وقد تتباين مصالحها لكن الحكمة تقتضي إدارة الخلافات عبر الحوار والتفاهم لا من خلال دعم الصراعات التي تهدد أمن المنطقة بأكملها.
أما الرهان على جماعات إرهابية مسلحة لتغيير موازين القوى فقد يحمل في طياته مخاطر تتجاوز الأهداف المعلنة الأمر الذي يؤدي إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها.
ولهذا  فإن من مصلحة دول المنطقة جميعاً  مراجعة السياسات التي تغذي الصراع وإدراك أن استقرار المملكة العربية السعودية واليمن وسائر دول الجوار مصلحة مشتركة يمكن أن تعود ثمارها على الجميع.
ويبرز كذلك سؤال  عميق تفرضه هذه التطورات هو: هل نحن أمام خلافات سياسية على النفوذ والمصالح أم أمام تنافس بين رؤى مختلفة لمستقبل المنطقة بين من يسعى إلى تعزيز الأمن والاستقرار ومن ينخرط في سياسات تؤدي إلى الانقسام وإطالة أمد الصراع؟
إن الحكم على المواقف ينبغي أن يستند إلى الأفعال ونتائجها لا إلى الشعارات وحدها.. فالمعيار الحقيقي لأي سياسة إقليمية هو ما تحققه للشعوب من أمن وكرامة واستقرار، وما تتركه من آثار على مستقبل المنطقة.
وفي هذا الإطار تظل المملكة العربية السعودية معنية بحماية أمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية وفي الوقت نفسه بدعم المسارات التي تفضي إلى  أمن واستقرار اليمن ، وتحفظ لشعبه حقه في مستقبل بعيد عن الحروب.
كما أن المسؤولية لدول الجوار الإقليمية تقتضي احترام سيادة الدول والتوقف عن مساندة الجماعة الحوثية الإرهابية التي تستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية والعمل على منع انتقال الصراعات من ساحة إلى أخرى.
والحمدلله نثق في حكومتنا وقيادتنا وقوة المملكة في أمنها واستقرارها.. لا في اتساع دائرة الصراع.
إن قوة المملكة العربية السعودية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات دفاعية أو ثقل اقتصادي وسياسي، بل كذلك بقدرتها على حماية استقرارها، وصون مصالحها، وإدارة علاقاتها الإقليمية والدولية برؤية إستراتيجية وقيادة تنفيذية بعيدة المدى.
وتظل القيادة الاستراتيجية مطالبة بالموازنة بين متطلبات الردع وضرورات السلام، وبين حماية الأمن الوطني
فالحزم لا يتعارض مع الحكمة وهو ما يمنح الدول القدرة على مواجهة التحديات دون التفريط في مصالحها أو الانجرار إلى صراعات مفتوحة لا تخدم شعوب المنطقة.
والجغرافيا المكانية باقية.. ولكن االتاريخ شاهد.. وسوف تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن النطاق الجغرافي الإقليمي لا يتغير  بتغير التحالفات، وأن المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد أعمق من الحسابات السياسية المؤقتة.
فما الذي ستجنيه الأطراف التي تراهن على إضعاف المملكة من إطالة أمد الصراع  إذا كانت النتيجة مزيداً  من التوتر وعدم الاستقرار، وتهديداً لمصالح المنطقة بأكملها؟
إن من يختار اليوم طريق التصعيد على حساب أمن جيرانه، عليه أن يدرك أن عواقب الخيارات السياسية قد تتجاوز حدود الحسابات التي بُنيت عليها. وقد تكشف الأيام أن ما ظنه البعض مكسباً سياسياً لم يكن سوى رهان محفوف بالمخاطر وأن تبعاته قد تعود على أصحابه من جهات لم تكن في حسبانهم.
أما المملكة العربية السعودية، فتظل مصلحتها الاستراتيجية في يمن آمن ومستقر، ومنطقة تتعاون دولها على التنمية والازدهار وعلاقات جوار تقوم على الاحترام المتبادل.. و الصراع الحقيقي ليس بين الشعوب بل بين السياسات التي تبني الاستقرار وتلك التي تغذي الفوضى.
ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن تعيد دول المنطقة النظر في كل سياسة تزيد الانقسام، وأن تجعل من أمن الجوار أساساً  لعلاقاتها لا ورقة للمساومة والصراع.
فالأمن غاية والاستقرار مسؤولية والحكمة الحقيقية أن تكون قوة الدول طريقاً إلى السلام، لا باباً للفوضى ومزيد من الحروب.
وعندما تأملت في كل هذه الأحداث وجدت أن الصراع في جوهره كما نراه صراع بين الحق والباطل والعبرة ليست بما يحققه أصحاب الرهانات من مكاسب مؤقتة، بل بما تكشفه الأيام من حقائق ونتائج. فالمملكة العربية السعودية البلاد التي أكرمها الله بخدمة الحرمين الشريفين ليست وحدها في الدفاع عن أمنها بل تستند بعد الله عزوجل إلى حكامها وشعبها الوفي و إلى مؤسساتها وقدراتها ، وإلى مكانتها الراسخة في العالمين  العربي والإسلامي وكذلك الدولي..

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.