كُتاب الرأي

الاحتفاظ بالكفاءات الأكاديمية

الاحتفاظ بالكفاءات الأكاديمية

استثمار الجامعة في مستقبلها

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى.مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.

عند الحديث عن تطور الجامعات وتقدمها العلمي، يذهب الاهتمام غالباً إلى التصنيفات العالمية، وعدد الأبحاث المنشورة، والاستشهادات العلمية، والجوائز والشراكات الدولية. وهي مؤشرات مهمة، لكنها لا تكشف وحدها عن قوة الجامعة وقدرتها على الاستمرار في التطور.
ومن الجوانب التي تستحق اهتماماً أكبر قدرة الجامعة على الاحتفاظ بكفاءاتها الأكاديمية المتميزة، وفي مقدمتها أساتذة رتبة الأستاذ (Professor)، إلى جانب الدكاترة والباحثين المتميزين أكاديمياً وبحثياً.
فالأستاذ المتميز لا يمثل وظيفة يمكن تعويضها بمجرد تعيين شخص آخر، بل يحمل معه سنوات من الخبرة العلمية والأكاديمية، وتجربة في التدريس والإشراف والبحث، وعلاقات علمية ومشروعات وشراكات شارك في بنائها. ولذلك فإن فقدان هذه الكفاءة قد يعني خسارة جزء من الخبرة التي تراكمت داخل الجامعة عبر سنوات.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يكفي أن تنجح الجامعة في استقطاب الكفاءات، أم أن قدرتها على الاحتفاظ بها أصبحت معياراً مهماً من معايير نجاحها؟
الاحتفاظ بالكفاءات لا يرتبط بالمزايا المالية وحدها. فالبيئة الأكاديمية، وفرص البحث والتطوير، ووضوح المسار الأكاديمي، والتقدير المهني، والتمكين، وتوفير الموارد، وجودة الإدارة، كلها عوامل تؤثر في قدرة الجامعة على المحافظة على أساتذتها وباحثيها المتميزين.
ولهذا فإن التعامل مع هذا الموضوع ينبغي ألا يقتصر على إدارة الموارد البشرية، بل يكون جزءاً من التخطيط الأكاديمي والاستراتيجي للجامعة.
ولا يقتصر أثر الكفاءات الأكاديمية على الجامعة والبحث العلمي، بل يصل إلى الطلبة بصورة مباشرة. فالأستاذ المتميز يضيف إلى الطالب من خلال علمه وخبرته وطريقة تفكيره، ويمنحه فرصة للتعلم من تجربة أكاديمية وبحثية حقيقية.
ويظهر هذا الأثر بصورة أكبر في برامج الدراسات العليا، حيث يحتاج الطالب إلى بيئة بحثية جيدة، وإلى مشرفين وباحثين يستطيعون توجيهه وتطوير قدراته. كما أن وجود فرق بحثية مستقرة يساعد على نقل الخبرة من الأساتذة إلى الباحثين الشباب، ويمنح الجامعة فرصة لبناء جيل جديد من الكفاءات.
ومن هنا، فإن قيمة الأستاذ المتميز لا تقاس فقط بعدد الأبحاث التي نشرها أو الاستشهادات التي حصلت عليها أبحاثه، وإنما أيضاً بما يتركه من أثر في طلابه وباحثيه، وما يسهم في بنائه من مشروعات وبرامج وشراكات علمية.
وقد يكون من المفيد أن تتابع الجامعات، إلى جانب مؤشرات البحث والتعليم، بعض المؤشرات المرتبطة باستدامة الكفاءات، مثل معدل الاحتفاظ بأعضاء هيئة التدريس المتميزين، واستقرار الفرق البحثية، وتطور الباحثين الشباب، ومشاركة الأساتذة في المشروعات والشراكات العلمية.
هذه المؤشرات لا تهدف إلى إضافة أرقام جديدة إلى لوحات المتابعة، وإنما تساعد الجامعة على معرفة مدى قدرتها على المحافظة على أحد أهم مواردها: الكفاءة العلمية والخبرة المتراكمة.
فالجامعات التي تسعى إلى التقدم تحتاج إلى استقطاب الكفاءات، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى معرفة أسباب بقائها وأسباب مغادرتها. كما تحتاج إلى بناء بيئة تجعل الأستاذ والباحث قادرين على الاستمرار في التدريس والبحث والتطوير، وتمنحهم الفرصة للمساهمة في مستقبل الجامعة.
وعندما تنجح الجامعة في ذلك، فإن أثرها لا يظهر فقط في أبحاثها أو ترتيبها في التصنيفات، بل في جودة برامجها، وفي مستوى طلبتها، وفي نمو باحثيها، وفي قدرتها على بناء معرفة تستمر وتتطور من جيل إلى آخر.
لذلك، فإن الاحتفاظ بالكفاءات الأكاديمية المتميزة ليس قضية إدارية فقط، بل خيار استراتيجي يرتبط بجودة الجامعة ومستقبلها العلمي.
لذلك ربما تحتاج الجامعات إلى النظر إلى الولاء المؤسسي باعتباره أحد مؤشرات الإنتماء المؤسسي  ، وليس مجرد شعور شخصي لدى الموظف.

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.