متى نلتفت إلى أنفسنا؟

متى نلتفت إلى أنفسنا؟
أبو حماد ناصر الانصاري المليباري – الهند
هل أصبح يومنا بمد أيدينا إلى الهاتف، ثم تبدأ سلسلة طويلة من الرسائل والأخبار والمواعيد والمهام. نخرج إلى العمل على عجل، ونعود مثقلين بما تبقى من مسؤوليات، ثم نبحث عن قليل من الراحة قبل أن يبدأ اليوم التالي من جديد…
ومن خلال هذا الحياة المتسارعة، يبرز سؤال بسيط لكنه مهم: هل تمنح أنفسنا وقتًا حقيقيًا؟
هل العافية تحتاج فعلًا إلى الكثير من المال؟
لا شك أن الرعاية الصحية الجيدة لها تكلفتها، وأن العلاج والفحوصات والغذاء المناسب والاستشارات المتخصصة أمور قد تحتاج إلى إنفاق. غير أن بداية العافية ليست دائمًا باهظة الثمن. فهناك عادات أساسية يستطيع معظم الناس أن يبدأوا بها دون تكاليف كبيرة، وإنما تحتاج إلى وعي واستمرارية.
قد تبدأ العناية بالنفس بكوب من الماء، وبنوم كافٍ، وببضع دقائق من المشي، وبالابتعاد عن الشاشة لبعض الوقت. وقد تبدأ بأن نخرج من أجواء العمل والضوضاء إلى الهواء الطلق، أو نقضي دقائق في الطبيعة، أو نجلس في مكان هادئ نستعيد فيه شيئا من صفاء الذهن.
اعتد كثير من الناس البحث عن الحلول المعقدة، بينما قد تكون بعض أبسط الأشياء أكثر أهمية. الجسم يحتاج إلى الماء والحركة والراحة، والعقل يحتاج إلى الهدوء والانقطاع المؤقت عن سيل المعلومات الذي يحيط بنا طوال اليوم.
لعل الهاتف أصبح أحد أكثر الأشياء التي تستنزف هذا الهدوء. كم مرة نمسكه لدقيقة واحدة، ثم نكتشف بعد وقت طويل أننا انتقلنا من رسالة إلى خبر، ومن خبر إلى مقطع، ومن مقطع إلى آخر؟ لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للتواصل والعمل، بل أصبح حاضرا في لحظات الراحة أيضًا. نستخدمه عندما نكون مشغولين، ونستخدمه عندما نريد أن نرتاح، بل ونأخذه معنا إلى السرير.
وهنا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: هل كل لحظة فراغ تحتاج إلى شاشة؟
ربما يحتاج العقل أحيانًا إلى شيء أبسط: أن نصمت قليلًا. أن نبتعد عن الأخبار والإشعارات، وأن نترك الهاتف جانبا، وأن نجلس مع أنفسنا دون أن نحاول ملء كل دقيقة بشيء جديد.كما أن أجسادنا لا تستطيع أن تعمل بلا توقف، فإن عقولنا كذلك. فالراحة ليست علامة على الضعف، والتوقف قليلًا ليس تراجعًا عن النجاح. الإنسان الذي يعرف متى يعمل ومتى يستريح أكثر قدرة على الاستمرار من الذي يستهلك نفسه ثم ينتظر أن تعيده الأيام إلى نشاطه.
الحياة لن تصبح خالية من المسؤوليات، والعمل لن ينتهي تماما، والمشكلات ستظل جزءا من الواقع. ولذلك فإن انتظار حياة هادئة حتى نبدأ بالاهتمام بأنفسنا .
قد تبدو هذه الأمور صغيرة، لكنها مع الاستمرار تتحول إلى أسلوب حياة.
وفي نهاية المطاف، نحن نقضي سنوات طويلة في بناء المستقبل: نعمل، ونتعلم، ونسعى إلى النجاح لكن ان نبني الحياة أفضل. لكن يبقى سؤال يستحق التأمل:
ماذا فعلت اليوم من أجل نفسك؟
كاتب رأي


