هل استلمت الجبهة القومية حضرموت

هل استلمت الجبهة القومية حضرموت
عندما اعلنت حضرموت عن مشروعها السياسي لاستعادة حضرموت. ثم بدأت اجراءات استكمال السيادة المحلية وبذات ترسل رسائلها للسلطات المركزية اليمنية بضرورة البدء في نقاشات جادة بشان اتفاق سياسي صحيح وعقد دستوري يضمن حق حضرموت بتقرير مصيرها بعد سنتان من تاريخ العقد بدون اسباب، وفي الوقت الذي كان يتوجب على السلطات المركزية اليمنية والكيانات الجنوبية الاستبدادية الاعتراف بحالة الضم والالحاق التي تعرضت لها حضرموت من قبل مليشيات الجبهة القومية القادمة من جنوب اليمن عام1967 والاعتذار، تطل علينا تلك المليشيات في شكلها الجديد في المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني المنحل، لتروي لنا حكاية جديدة عن جدهم في الجبهة القومية انه قد استلم حضرموت رضاء، ونسي ان عربات الجبهة القومية عندما انطلقت من عدن الى حضرموت كانت تقطر دما من بشاعة ماقاموا به على طريقتهم وعلى طريقهم قبل وصولهم المكلا وسيئون، ثم يتحدث اصحاب الحكاية الجديدة عن وثائق تسليم من السلطنات الى الجبهة القومية، انه الاكراه والارهاب بعينه الذي لم تشهد الجزيرة العربية مثيلا له في تاريخها، بريطانيا عندما دخلت عدن وبقية مناطق جنوب اليمن وحضرموت لم ترتكب مثل هذه الجرائم البشعة، وتم التسليم لها فسميناها وسموها احتلالا ولم نسميها الجمهورية الفتية.
ليست أخطر الحيل السياسية أن ينكر المجرم جريمته، بل أن يعيد روايتها حتى يبدو فيها ضحية، وأن يستخرج من ركام الماضي ما يبرر به جرائمه، ثم يقدمه للأجيال الجديدة بوصفه الدليل على أنه لم يكن يبطش إلا رحمةً، ولم يكن يقمع إلا إصلاحًا، ولم يكن يروّع الناس إلا ليعلّمهم كيف يعيشون بسلام!
قبل خمسة عقود ونيف، ظهرت عصابات الجبهة القومية الاجرامية، التي اسموها ثوارا، التي نادت بتدمير ما اسموه الجنوب العربي وحضرموت وقتل وسحل كهنوته تحت شعار من اجل البروليتاريا يجب اسقاط الأنظمة الكهنوتية البرجوازية في الخليج حسب وصفهم، فدارت الأيام وأصبحوا في حضن الخليج يحبون المال وتركوا البروليتاريا حفاة عراة، انها حركة فوضوية لم تكتفِ بمصادرة المجال العام، بل أرادت مصادرة الإنسان نفسه؛ أفكاره، وذاكرته، مارست البطش باسم المبادئ، وضيّقت على المجتمع باسم حمايته، وروّضت الناس باسم بناء الإنسان الجديد الذي جده قردا . وحين عجزت عن انتزاع الطاعة بالاقتناع، لجأت إلى انتزاعها بالخوف، حتى صار الصمت حكمة، والامتثال فضيلة، والنجاة الشخصية مبررًا للتخلي عن الآخرين، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه جيش سلالة الجبهة القومية السري لإرهاب المجتمع اليوم.
واليوم، بعد أن هدأت ضوضاء تلك المرحلة، وتباعدت الأجيال عن مشاهدها، وعادت حضرموت تتحدث عن استقلالها، يعود بعض ورثة تلك التجارب إلى المشهد بخطاب جديد، ووجوه أقل خشونة، ومفردات أكثر نعومة. لا يعودون باعتبارهم مسؤولين عن ماضٍ ينبغي الاعتراف به ومحاسبته، بل باعتبارهم منقذين جرى ظلمهم، ومصلحين أسيء فهمهم، وأصحاب مشروع لم يمنحه المجتمع فرصته الكاملة.
وهنا تبدأ الحيلة الكبرى: إعادة تعريف الجريمة بدلًا من الاعتراف بها.
لم يعد القمع والسحل الذي استلمت به الجبهة القومية حضرموت على ورق بياض، في روايتهم، قمعًا؛ بل ضرورة تاريخية فرضتها طبيعة المجتمع. ولم يعد البطش اعتداءً على الإنسان؛ بل محاولة لكسر عنفه وترويض غرائزه. ولم تعد مصادرة الحريات جريمة سياسية؛ بل تدبيرًا اضطراريًا لحماية الجماعة من نفسها. وهكذا تتحول الضحية إلى مشكلة، والجلاد إلى طبيب، والسجن إلى مدرسة، والخوف إلى وسيلة للتربية، وكأن المجتمع لم يكن بحاجة إلى التحرر من سلطة البطش، بل كان بحاجة إلى من يمارس البطش عليه بمهارة أكبر!
إنهم لا يطلبون من الناس أن ينسوا الماضي فحسب؛ إنهم يريدون منهم أن يتذكروه بالطريقة التي تخدمهم. يريدون لذاكرة الضحايا أن تصبح مادة قابلة للتأويل، وللشهادات أن تفقد دلالتها، وللجرائم أن تتوارى خلف عبارات من قبيل “تم تسليم حضرموت طوعا” و”ضرورات التغيير” و”والفرع يتبع الاصل”. وكلما ظهرت واقعة تدينهم، بحثوا عن واقعة أخرى يقتطعونها من سياقها، ليصنعوا من كل ذلك ستارًا يحجب الصورة البشعة الت كانوا عليها.
فهم لا يحتاجون إلى إثبات أنهم لم يخطئوا؛ يكفيهم أن يقنعوا الجيل الجديد بأن الجميع أخطأوا، وأن ما ارتكبوه لم يكن إلا جزءًا من عنف عام، وأنهم، وسط ذلك كله، كانوا أصحاب المشروع الأكثر وعيًا بمخاطر المجتمع وأشد حرصًا على إصلاحه.
وبذلك تتحول المحاكمة الأخلاقية إلى مباراة في تبادل الاتهامات، ويضيع السؤال الأساسي وسط الضجيج: من امتلك السلطة؟ من مارس البطش؟ من صادر الحقوق؟ ومن قرر أن له الحق في إخضاع الآخرين لمشروعه، ثم طالبهم، بعد انقضاء الزمن، بأن يشكروه على ما فعل؟
إن أخطر ما في هذه الرواية أنها لا تتوجه إلى الجيل الذي عاش التجربة وحده، بل إلى جيل لم ير كيف كانت سيارات الجبهة القومية كانت تقطر دما ولم ير بشاعة منظر اؤلئك الرجال الذين تمزقت أجسادهم وهم يسحبون بتلك السيارات، ولم يرَ السجون، ولم يسمع صرخات المعذبين، ولم يعرف كيف كانت كلمة واحدة كافية لتغيير مصير إنسان. كانوا بكل بساطة يدعون زميلا لهم للخروج للتدريب على الرماية فيضعونه هدفا لرصاصات حقدهم، إننا أمام جيلٍ يتلقّى التاريخ عبر شاشاتٍ تختزل الأحداث وتُجزّئ الوقائع ومقاطع منتقاة وصراخ باسم المثل، وحكايات يرويها أصحاب المصلحة، فيجد نفسه أمام ماضٍ مصقول، أزيلت منه آثار الضحايا، وبقيت فيه شعارات الجلادين.
وهنا تحضر حكاية ليلى والذئب، لكن بصورة مقلوبة.
في الحكاية الأصلية، نعرف الذئب من أفعاله، ونفهم خطره من سلوكه، ولا تنطلي علينا الحيلة لمجرد أنه أتقن تغيير صوته أو ارتدى هيئة الجدة. أما في الرواية الجديدة، فقد تولى أحفاد الذئب كتابة الحكاية من جديد. لم يعودوا ينكرون وجود الذئب، ولا ينكرون أنه دخل بيت الجدة، لكنهم يشرحون لنا أن الغابة كانت خطرة، وأن ليلى كانت ساذجة، وأن الجدة لم تكن تفهم طبيعة المجتمع، وأن الذئب لم يكن شريرًا، بل كان يحاول ترويض الجميع حتى لا يفترس بعضهم بعضًا.
ثم يضيفون إلى الحكاية أن الذئب، رغم قسوته، كان صاحب رؤية، وأن ما فعله لا ينبغي الحكم عليه بمعايير اليوم، وأن الذين يتحدثون عن ضحاياه يتجاهلون الظروف التي دفعته إلى افتراسهم.
وفي النهاية، لا يطالبوننا بالاعتراف ببراءة الذئب صراحة؛ بل يكتفون بأن يجعلونا نشك في رواية ليلى، ونرتاب في شهادة الجدة، ونتساءل إن كان افتراس الضحايا قد وقع فعلًا، أم أن خصوم الذئب بالغوا في وصفه لأسباب سياسية!
تلك هي براعة تزييف سلالة الجبهة القومية الى اليوم، حين يتولى أحفاد الذئب كتابة الحكاية: لا يمحون الجريمة من التاريخ، بل يمحون معناها، ولا يقتلون الشهود، بل يطعنون في أهليتهم للشهادة، ولا يبرئون الجلاد مباشرة، بل يعيدون ترتيب الوقائع حتى يبدو اتهامه ضربًا من الجحود.
لكن المشكلة لا تكمن في أن الأجيال الجديدة لا تعرف الماضي؛ فكل جيل يبدأ حياته من نقطة لا يملك عندها ذاكرة كاملة عما سبقه. المشكلة أن هناك من يريد أن يملأ هذه المساحة الفارغة برواية جاهزة، تحوّل التجربة السياسية إلى أسطورة، والبطش إلى بطولة، والخضوع إلى فضيلة، ثم تطلب من الشباب أن يرثوا المجد المزعوم دون أن يسألوا عن ثمنه، وعلى إثر ذلك اصبحت عملية الضم والالحاق واسقاط مركز حضرموت السياسي والسيادي والقانوني ليس لها قيمة. وما تبقى من فلسفة قادة الجنوب، ليس الا اختزال لمراحل تاريخية في مرحلة دولة اسمها جنوب اليمن قادتها يرون ان على حضرموت ان تصمت دائما.
هناك فرق جوهري بين فهم السياق الذي نشأت فيه الجريمة، وبين اتخاذ ذلك السياق ذريعة لتبريرها. الفهم يفسر كيف وقع الانحراف، أما التبرير فيمنح المنحرف حق تكراره. والتاريخ الذي لا يسمح بفهم الظروف يتحول إلى محكمة عمياء، لكن التاريخ الذي يسمح للظروف بمحو المسؤولية يتحول إلى محكمة يديرها المتهمون أنفسهم. إن المجتمع لا يتعلم المسؤولية السياسية بإلغاء إرادته، ولا يكتسب المدنية بإذلال أفراده، ولا يتحرر من العنف حين تحتكر جماعة واحدة حق تعريف العنف وتحديد من يستحق العقاب.
هكذا يريدون حضرموت ان تصمت، أما أن يعود الماضي في هيئة مشروع خلاص، وأن يطالبنا أحفاد الجلادين بتصديق روايتهم لأنهم أعادوا طباعة الحكاية بلغة أكثر أناقة، فذلك ليس تصالحًا مع التاريخ، بل محاولة للاستيلاء عليه مجددا.
لا تخافوا من عودة الذئب بقدر ما تخافوا من عودته بعد أن يصبح مؤلف الحكاية، ومفسر الوقائع، وموزع شهادات البراءة، ثم يقف أمام جيل لم يعرفه ويقول له: لم آتِ لأفترسكم؛ لقد جئت لأعلّمكم كيف لا يفترس بعضكم بعضًا. عندها لن تكون المعركة على الماضي وحده، بل على حق الأجيال في معرفة ما حدث، وعلى حق الضحايا في ألا تتحول معاناتهم إلى مادة دعائية في مشروع أحفاد جلاديهم. فليست المشكلة أن يطلب الذئب فرصة جديدة؛ المشكلة أن يطلبها بعد أن أقنع الجميع بأن ليلى هي التي كانت خطرًا على الغابة. والأخطر من الذئب الذي يختبئ خلف قناع، ذئبٌ ينجح في إقناع الغابة بأن مخالبه كانت ضرورة تربوية، وأن دماء ضحاياه لم تكن إلا ثمنًا مؤسفًا لنضجها.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع امام المحكمة العليا



