حضرموت أمام فرصة تاريخية

حضرموت أمام فرصة تاريخية
إجراءات رمزية بدلًا من انتظار سقوط الدولة
هناك أمر يجب أن يفهمه القادة في حضرموت جيدًا: حضرموت لا تحتاج في هذه المرحلة إلى الى التفكير في متى ستسقط حضرموت، بقدر ما تحتاج إلى بناء خيارات سياسية ودستورية تحفظ مصالحها في حال استمرت الدولة المركزية في الانهيار.
ما يحدث اليوم في اليمن من تراجع لسلطة الحكومة الشرعية وسيطرة القوى الانقلابية على عدد من المدن والمناطق يضع البلاد أمام أزمة تتجاوز الجانب العسكري، وتمس جوهر الدولة ومؤسساتها الدستورية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من حق المناطق التي ما زالت تتمتع بدرجة من الاستقرار أن تبحث عن إجراءات تحفظ أمنها ومصالح سكانها، خصوصًا إذا عجزت السلطة المركزية عن القيام بوظائفها الأساسية، واذا لم تعجز فنحن نبحث عن ذريعة. وهذا النوع من الإجراءات يحتاج فقط إلى قرار سياسي وإداري واضح.
ومن هنا يمكن أن تكون أمام حضرموت فرصة لإطلاق إجراءات أحادية ذات طابع رمزي وسياسي، تهدف إلى تأكيد قدرة المجتمع الحضرمي على إدارة شؤونه في مرحلة استثنائية، وفتح الطريق أمام خيارات أكبر إذا تطورت الأزمة بذريعة الازمة السياسية والازمة الدستورية وهي ذرائع تكفي لإعلان حتى الاستقلال لمن يفهمون في السياسة، وذريعة للداعمين الاقليميين
سلطات رمزية تحفظ التوازن، يمكن أن تبدأ هذه الخطوات بإعلان حضرمي واضح عن تشكيل أطر رمزية للسلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث تكون مهمتها الأساسية التعبير عن الإرادة السياسية لأبناء حضرموت وتنظيم شؤونهم الداخلية، دون الدخول بالضرورة في قطيعة مع مؤسسات الدولة اليمنية. الفكرة هنا ليست إنشاء دولة جديدة بين ليلة وضحاها، وإنما خلق بنية سياسية جاهزة للتعامل مع أي فراغ دستوري أو سياسي محتمل. وهذا النوع من الإجراءات يحتاج فقط إلى قرار سياسي وإداري واضح.
فإذا انهارت السلطة المركزية، فإن المناطق التي تمتلك مؤسسات محلية واضحة ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها والتفاوض من موقع أقوى. أما انتظار لحظة الانهيار الكامل دون إعداد بدائل، فقد يجعل حضرموت أمام خيارات صعبة، قد تسبب حرج حتى للداعمين الاقليميين.
الحدود والأمن الداخلي، ومن الإجراءات الرمزية الممكنة أيضًا الإعلان عن اغلاق الحدود ، أي تشديد الإجراءات على المنافذ الحدودية، بحيث يصبح الدخول والخروج أكثر تنظيمًا ورقابة، دون أن يعني ذلك بالضرورة إغلاق الحدود إغلاقًا فعليًا أو الدخول في مواجهة مع الدولة المركزية. يمكن أن تكون الرسالة السياسية ببساطة: حضرموت مسؤولة عن حماية حدودها وتنظيم منافذها في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
حضرموت، بحكم موقعها وعلاقاتها الإقليمية، لا تحتاج بالضرورة في الوقت الحاضر إلى بناء قوة عسكرية ضخمة لمواجهة كل الاحتمالات. وفي حال اقتراب الخطر الحوثي من حدودها، فإن المعادلات الإقليمية والدعم السعودي يمثلان عاملًا مهمًا في حسابات الأمن والدفاع.
ما يجب أن يتحدث عنه الحضارم اليوم هو القرار الداخلي: تنظيم السلطات، إدارة المنافذ، إعلان حالة الطوارئ عند الضرورة، وحماية المؤسسات والمجتمع، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع السلطات اليمنية والإقليمية. وهذا النوع من الإجراءات يحتاج فقط إلى قرار سياسي وإداري واضح.
لأن اللحظة الحالية قد تكون فرصة أكثر منها خطرًا. الأزمات الكبرى لا تنتج المخاطر فقط؛ أحيانًا تفتح أيضًا المجال أمام المناطق والمجتمعات لإعادة تعريف موقعها السياسي والقانوني.
إذا كانت الدولة المركزية تمر بأزمة عميقة، فإن حضرموت تستطيع أن تستفيد من هذه المرحلة لبناء واقع إداري وسياسي جديد بصورة تدريجية وسلمية، بدل انتظار لحظة الفوضى التي قد تجعل القرارات تُفرض عليها بدل أن تصنعها بنفسها.وهذا النوع من الإجراءات يحتاج فقط إلى قرار سياسي وإداري واضح.
البدء بخطوات رمزية محسوبة تمهّد للقرارات الكبيرة إذا أصبحت ضرورية في المستقبل. حضرموت تملك من المقومات الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية والسياسية ما يجعلها قادرة على التفكير في مستقبلها بواقعية وثقة. وقد تكون الخطوة الأكثر حكمة في هذه المرحلة هي أن تقول حضرموت بوضوح: إنشاء سلطات رمزية، وتشديد الرقابة على المنافذ، والاستعداد القانوني والإداري لحالات الطوارئ، مع استمرار التواصل مع الدولة والمحيط الإقليمي، يمكن أن يشكل مرحلة انتقالية ذكية نحو خيارات أكبر إذا استمرت الأزمة اليمنية في التفاقم.
ما يحدث في اليمن اليوم ليس بالضرورة نهاية الطريق أمام حضرموت. قد يكون، إذا أحسنت قيادتها قراءة اللحظة، بداية فرصة تاريخية.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع امام المحكمة العليا

