كُتاب الرأي

حضرموت هل آن اوان بناء السلطات الثلاث

حضرموت هل آن اوان بناء السلطات الثلاث  

إذا كان عام 1967 قد مثل، نقطة تحول فقدت فيها حضرموت وضعها السياسي السابق وأصبحت جزءاً من دولة جنوب اليمن دون عملية تعبير شعبية مستقلة تحدد مستقبل الإقليم، فإن هذه المسألة لا يمكن تجاوزها عند دراسة نشأة المطالب الحضرمية الحديثة. وفي هذا السياق، فإن التاريخ لا يقدم وحده جواباً قانونياً نهائياً، لكنه يقدم السياق الذي يساعد على فهم أسباب ظهور المطالبة.

فالمشروع الحضرمي لم ينشأ من فراغ، إنه مرتبط بذاكرة سياسية ترى أن حضرموت انتقلت من خلال عملية ضم بشعة من وضع سياسي خاص إلى وضع جديد لم يكن المجتمع الحضرمي هو الذي صاغ شروطه، ثم ادخلت بعد ذلك في الوحدة اليمنية عام 1990 وكانت تأمل أن يتم طرح قضية تقرير مصير حضرموت للنقاش، لكن بالغت السلطات المركزية الجديدة في دولة الوحدة اليمنية، في تفتيت المجتمع الحضرمي، لتشغل تركيزه عن تقرير المصير، فراكمت مشكلاته، بالسلطات المركزية والموارد والتمثيل والتنمية. فإذا كانت حضرموت قد فقدت قدرتها على تقرير موقعها السياسي في الماضي، فهل يمكن أن تستعيد اليوم حقها في المشاركة في تحديد مستقبلها؟ هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لبحث تقرير المصير في الحالة الحضرمية.

وهنا امر بالغ الأهمية للحالة الحضرمية. فالمشروع الحضرمي يحتاج ان يبدا فورا بتثبيت حق المجتمع في إدارة شؤونه، وبناء مؤسسات مركزية وتأسيس سلطات حكم تنفيذية وقضائية وتشريعية رمزية وضمان السيطرة المحلية على الموارد، وحماية الهوية، اعتقد انه إذا لم يفعل ذلك خلال هذا العام فانه غير جدير بالدفاع عن قضية حضرموت.

. العملية السياسية القادمة التي تقودها السعودية ستفضي بكل تأكيد الى عقد دستوري جديد لكن نصوص هذا العقد سيتم استخلاصها مما طرحة أطراف القضية اليمنية في وثيقة الاتفاق، ففريق التفاوض الحضرمي اما ان يقبل بتصور الاخرين للحل ليظهر بمظهر المتعاون، وبذلك سيكون قد أضاع قضية حضرموت، او ان يتمسك بالحق في تقرير المصير بالنص عليه داخل وثيقة الحل، حتى اذا تم رفضه واخراجه من العملية السياسية.

وتاريخياً، ارتبطت فكرة تقرير المصير بالتحولات التي شهدها العالم الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وبصعود فكرة القومية، وانهيار الإمبراطوريات متعددة القوميات، وتصاعد المطالب المتعلقة بحق الشعوب في اختيار حكوماتها. غير أن المفهوم لم يكن في بداياته قاعدة قانونية دولية واضحة بالمعنى الذي أصبح عليه لاحقاً، وإنما كان في جانب كبير منه فكرة سياسية وفلسفية تتعلق بالحرية والشرعية.

ومع مرور الوقت، بدأ المفهوم ينتقل من مجال الفكر السياسي إلى مجال العلاقات الدولية، خاصة مع التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. وأصبح الحديث عن الشعوب والأمم وحقها في اختيار مستقبلها السياسي جزءاً من النقاش حول إعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا وانهيار الإمبراطوريات القديمة. وكانت تلك المرحلة مهمة لأنها جعلت مسألة إرادة الشعوب عنصراً في إعادة تشكيل النظام الدولي، وإن كان تطبيقها آنذاك لم يكن شاملاً أو متساوياً بين جميع الشعوب

وبعد الحرب العالمية الثانية، حدث تحول أكثر أهمية في تاريخ المفهوم مع تأسيس الأمم المتحدة وظهور نظام دولي جديد يقوم على مبادئ السيادة والمساواة بين الدول وحظر استخدام القوة وتعزيز حقوق الإنسان، وأصبح تقرير المصير جزءاً من لغة النظام الدولي الجديد، ولم يعد الحديث عنه مقتصراً على الفلاسفة أو الحركات القومية، وإنما دخل في الوثائق الدولية وفي الخطاب الرسمي للدول والمنظمات الدولية، ومن هنا بدأ المفهوم يأخذ بعداً قانونياً أكثر وضوحاً.

ويظهر هذا التطور في ميثاق الأمم المتحدة الذي أدرج ضمن مقاصده مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد مثل هذا الإدراج تحولاً مهماً، لأنه نقل المفهوم من دائرة الفكر السياسي إلى دائرة المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي.

لكن إدراج المصطلح في الميثاق لم يضع كل تفاصيله، ولم يحسم بصورة نهائية جميع الأسئلة المتعلقة بمن هو الشعب الذي يملك هذا الحق، أو بكيفية ممارسته، وهذه المسائل تطورت لاحقاً من خلال الممارسة الدولية وقرارات الجمعية العامة والعهود الدولية وأحكام القضاء الدولي ومواقف الدول.

ومن أبرز مراحل هذا التطور مرحلة إنهاء الاستعمار، حيث أصبح تقرير المصير أحد الأسس التي قامت عليها عملية تفكيك الأنظمة الاستعمارية في آسيا وأفريقيا ومناطق أخرى. وقد كان هذا التطور ذا أهمية خاصة، لأن النظام الدولي بدأ ينظر إلى الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية باعتبارها صاحبة حق في تحديد مستقبلها السياسي.

وأصبحت عملية الاستقلال، في حالات عديدة، مرتبطة بمبدأ أن الشعب الخاضع للاستعمار يجب أن يكون قادراً على اختيار مستقبله دون أن تفرض عليه الدولة المستعمرة استمرار السيطرة. وهنا ظهر الارتباط القوي بين تقرير المصير والاستقلال، لكن هذا الارتباط لا يعني أن المفهومين مترادفان، فالاستقلال هو إحدى النتائج الممكنة لممارسة تقرير المصير، لكنه ليس تعريفاً لتقرير المصير ذاته،

أن الاستقلال يمثل صورة أكثر تقدماً من صور ممارسة الإرادة السياسية، عندما يختار الشعب إنشاء دولة مستقلة. وفي المقابل، من الخطأ أيضاً القول إن تقرير المصير لا يمكن أن يؤدي إلى الاستقلال. فالاستقلال كان وما يزال إحدى أبرز النتائج التي ارتبطت تاريخياً بهذا الحق.

المحامي صالح باحتيلي النعماني محامي مترافع امام المحكمة العليا

 

المحامي صالح باحتيلي النعماني

كاتب رأي ومحام مترافع أمام المحكمة العليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.