كُتاب الرأي

حضرموت تعرضت لمظلومية قاسية

حضرموت تعرضت لمظلومية قاسية

المحامي صالح باحتيلي النعماني

محامٍ مرافِع أمام المحكمة العليا

تحتل الثروة والموارد الطبيعية موقعًا مركزيًا في القضية الحضرمية، ليس لأنها تمثل مجرد مورد اقتصادي يمكن أن يزيد دخل الدولة أو يرفع مستوى الخدمات، وإنما لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالسؤال الأكبر حول طبيعة العلاقة بين حضرموت والسلطة التي حكمتها خلال العقود الماضية.

فحضرموت ليست إقليمًا فقيرًا في الموارد، ولا منطقة هامشية من ناحية الموقع أو الإمكانات الاقتصادية. فهي تمتلك ثروات نفطية وغازية، وسواحل طويلة على بحر العرب، وموانئ ومنافذ بحرية، وثروة سمكية، وأراضي زراعية وأودية واسعة، إضافة إلى موقع جغرافي يجعلها على تماس مباشر مع المجال الخليجي وبحر العرب والمحيط الهندي.

ومع ذلك، فإن المفارقة التي يصعب تجاهلها هي أن الإقليم الذي يمتلك هذه الإمكانات الكبيرة لم يتمكن خلال العقود الماضية من تحويلها إلى مشروع تنموي يوازي ما شهدته مناطق أخرى قريبة منه. وهنا تظهر واحدة من أكثر صور المظلومية الحضرمية وضوحًا، وهي مدخل قانوني في القانون الدولي للحصول على الحق في تقرير المصير.

ففي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربي المحيطة بحضرموت تدخل مرحلة تاريخية غير مسبوقة من بناء المدن الحديثة، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء الجامعات والمستشفيات والموانئ والمطارات، وتأسيس اقتصادات جديدة تتجاوز الاعتماد على النفط، كانت حضرموت، التي كانت جزءًا من نسيجها الاجتماعي، تتحرك في الاتجاه المعاكس بفعل الحصار الذي ترتب على حالة الضم والإلحاق التي فرضها عليها جنوب اليمن، ثم الدولة اليمنية. كانت الثروة تُستخرج من أرضها، بينما بقيت التنمية فيها محدودة. وكانت العوائد تتحول إلى مصدر لتمويل فساد الدولة المركزية الذي بلغ مستوى لا يتصوره عقل، ولم يُدفع منه شيء لبناء الإنسان والمؤسسات والبنية التحتية في حضرموت.

وهكذا نشأت معادلة شديدة القسوة: ثروة كبيرة، ولكن قدرة محدودة على التحكم فيها؛ وموقع استراتيجي، ولكن تنمية لا تتناسب معه؛ ومجتمع يمتلك طاقات بشرية وتجارية واسعة، ولكنه ظل محرومًا من البيئة السياسية والاقتصادية التي تمكنه من تحويل هذه الإمكانات إلى نهضة شاملة. وهذه المعادلة هي التي جعلت قضية الموارد جزءًا لا يتجزأ من قضية السيادة.

وفي مسار تنموي كان يمكن أن يكون متشابهًا بين حضرموت والخليج، يصعب على الباحث في التاريخ الحديث لحضرموت أن يتجاهل البيئة الخليجية المحيطة بها. فالمجتمع الحضرمي لم يكن بعيدًا عن الخليج من الناحية الاجتماعية أو التجارية أو الثقافية. فقد كانت حركة الحضارم عبر الخليج واسعة، كما ارتبطت الأسر الحضرمية تاريخيًا بشبكات التجارة والهجرة والعمل في بلدان الخليج. وكان الخليج بالنسبة إلى الحضارم فضاءً اجتماعيًا واقتصاديًا مفتوحًا، ولم تكن الحدود السياسية الحديثة قد نجحت في قطع تلك الروابط التاريخية.

ولهذا فإن المقارنة بين حضرموت ودول الخليج المجاورة ليست مقارنة بين مجتمعين لا رابط بينهما، وإنما هي مقارنة بين مجتمعات متقاربة في البيئة والثقافة والتاريخ والتجارة، ثم سلكت مسارات سياسية واقتصادية مختلفة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فبينما انطلقت دول الخليج في بناء دول حديثة مستفيدة من موارد النفط، أُدخلت حضرموت في نفق مظلم ومرحلة طويلة من الاضطراب السياسي والمركزية والإقصاء والتهميش. وكان الفرق لا يكمن في غياب الموارد البشرية أو الموقع أو القدرة على التواصل التجاري، وإنما كان، بدرجة كبيرة، في طبيعة النظام السياسي الذي تولى إدارة الموارد والقرار، وذبح حضرموت من الوريد إلى الوريد. وهنا يمكن فهم جانب أساسي من المظلومية الحضرمية؛ فالمشكلة لم تكن أن حضرموت غير قادرة على التقدم، ولم تكن أن الحضارم يفتقرون إلى الكفاءات، ولم تكن أن الإقليم يفتقر إلى الموارد، وإنما السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ماذا كان يمكن أن تكون عليه حضرموت لو امتلكت، خلال العقود الخمسة الماضية، السيادة على أرضها ومواردها وقرارها التنموي؟ وإذا لم يتحرر الحضارم، وظلت حضرموت على هذا الحال، فسيأتي من يطرح السؤال نفسه بعد خمسة عقود أخرى: ماذا كان يمكن أن تكون عليه حضرموت لو امتلكت، خلال العقود الخمسة الماضية، السيادة على أرضها ومواردها وقرارها؟

هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة يقينية؛ لأن التاريخ لا يسمح بإجراء تجربة بديلة. لكن يمكن النظر إلى مسار دول الخليج القريبة بوصفه مؤشرًا على حجم الفرصة التي ضاعت. خمسون عامًا من الفرصة الضائعة، والمأساة الحضرمية، من هذه الزاوية، لا تتمثل فقط في انخفاض مستوى الخدمات أو ضعف البنية التحتية. إنها تتمثل في الزمن الذي ضاع؛ فخمسون عامًا في تاريخ الأمم ليست فترة قصيرة، وهي تكفي لبناء أجيال كاملة من الجامعات والمراكز البحثية والمستشفيات والموانئ والمطارات والمدن الحديثة. وتكفي لبناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مورد واحد، وتكفي لإنشاء مؤسسات مالية وإدارية وقانونية مستقرة، وتكفي لتحويل مدينة ساحلية مثل المكلا إلى مركز تجاري إقليمي إذا توافرت لها الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة.

لكن حضرموت دخلت هذه العقود الطويلة وهي تعاني من اختطاف واستبداد سياسي لا مثيل له، مُورس ضدها من جنوب اليمن وشماله على حد سواء، ثم من مركزية الجنوب والشمال التي حولتها إلى أقل من قرية. وبعد ذلك أُدخلت في انقسامات وصراعات الأحزاب اليمنية لإلهاء الشعب الحضرمي عن حاضره ومستقبله ووطنه، بينما ظلت مواردها جزءًا من عملية تديرها منظومة فساد تعيش داخل مفاصل الدولة المركزية. ولهذا فإن الحديث عن التنمية الحضرمية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: لماذا لم تتطور حضرموت؟ وإنما ينبغي أن يُطرح السؤال بصورة أكثر عدلًا: من كان يمتلك القرار الذي كان يمكن أن يجعلها تتطور؟ وهل آن الأوان لاستعادة دولة حضرموت؟

كاتب رأي

 

 

المحامي صالح باحتيلي النعماني

كاتب رأي ومحام مترافع أمام المحكمة العليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.