كُتاب الرأي

لماذا تنجب أبناءً وتتعب في تربيتهم؟

لماذا تنجب أبناءً وتتعب في تربيتهم؟

فيصل الكثيري

لو نظرنا إلى الإنجاب بعقل محاسب، فقد تبدو المسألة محيرة. تنجب طفلًا، ثم تبدأ رحلة طويلة من السهر والإنفاق والخوف والمواعيد والمدارس والمرض والقلق والأسئلة التي لا تنتهي. يتغير جدولك من أجله، وتسافر بطريقة مختلفة، وتختار منزلك أحيانًا بناءً على حاجته، وتؤجل بعض رغباتك، وتتنازل عن جزء من راحتك، ثم تقضي سنوات تحاول أن تجعله مستقلًا عنك. تتعب عشرين عامًا تقريبًا حتى يصبح قادرًا على أن يقول لك: أستطيع أن أدبّر حياتي وحدي. أي صفقة غريبة هذه؟

لو كان الإنسان يبحث عن الراحة وحدها… لكان الإنجاب واحدًا من أكثر القرارات التي يصعب تفسيرها. الطفل لا يأتي ومعه ضمان بأنه سيكون كما حلمت، ولا وثيقة تؤكد أنه سيبادلك ما أعطيته، ولا عقد ينص على أنه سيبقى قريبًا منك حين تكبر. قد تنفق عليه أجمل سنواتك، ثم تأخذه الحياة إلى مدينة أخرى، أو بلد آخر، أو عالم فكري لا يشبه عالمك كثيرًا. ومع هذا يستمر البشر في الإنجاب منذ عرف الإنسان نفسه. إذن هناك شيء في المسألة أكبر من الحساب. ربما يبدأ الأمر من رغبة قديمة في الإنسان: ألّا تنتهي حكايته عنده. فهو الكائن الذي يعرف أنه سيموت، وهذه معرفة ثقيلة. ينظر إلى أبنائه أحيانًا فيرى شيئًا منه سيواصل السير حين يتوقف هو. ليس الاسم وحده، ولا الملامح. هناك ضحكة تنتقل، وطريقة كلام، وحركة يد، وعادة صغيرة، وربما جملة كان يقولها الأب، فيجد الابن نفسه يرددها بعد ثلاثين عامًا من دون أن ينتبه. كأن الإنسان وجد وسيلة هادئة لمقاومة الفناء: أن يترك بعضه يمشي بعده.

والأبناء لا يمنحون الإنسان امتدادًا فقط. هم يضعونه أمام تجربة يصعب أن يعيشها بالطريقة نفسها في علاقة أخرى: أن يصبح مستقبل شخص آخر أهم لديه من بعض مستقبله. الرجل الذي كان يحسب راتبه على حاجاته يبدأ يحسبه على حاجات آخرين، والمرأة التي كان نومها شأنًا شخصيًا يصبح نومها مرتبطًا بطفل صغير. ويكتشف الأبوان تدريجيًا أن مركز العالم تحرك قليلًا من كلمة (أنا) إلى كلمة (نحن). والطفل لا يكبر وحده، فوالداه يكبران معه أيضًا. قبل الطفل قد يعرف الإنسان نفسه من خلال رغباته، وبعده يكتشف نفسه من خلال قدرته على الاحتمال. يعرف مقدار صبره، وأنانيته، وخوفه، وحبه، وغضبه، وقدرته على التضحية. الأطفال بارعون في إخراج النسخ التي نخفيها من أنفسنا. طفل يبكي ثلاث ساعات قادر على أن يقدم لك معلومات عن شخصيتك أكثر مما تقدمه عشرات الكتب في تطوير الذات. ولهذا لا تسير التربية في اتجاه واحد؛ نحن نربي أبناءنا، وهم يعيدون تربيتنا بطريقة أخرى.

يعلموننا أن الوقت ليس ملكنا كاملًا، وأن الحب مسؤولية قبل أن يكون شعورًا، وأن الخوف يمكن أن يسكن جسد الإنسان من أجل شخص آخر. ويجعلوننا نفهم آباءنا متأخرين. أشياء كثيرة كنا نعدها مبالغة منهم تصبح مفهومة عندما نقف في المكان نفسه. حتى العبارة القديمة: (ستعرف عندما يصبح لديك أبناء) تحمل وراء بساطتها معرفة يصعب شرحها لمن يقف خارج التجربة.

ويبقى السؤال: لماذا يدخل الإنسان هذه الرحلة أصلًا؟ الناس لا ينجبون للأسباب نفسها. بعضهم يريد أسرة منذ زمن بعيد، وبعضهم يخشى الوحدة، وبعضهم يرى في الطفل امتدادًا لاسمه، وبعضهم يستجيب لما ينتظره المجتمع منه، وبعضهم يصل إلى الإنجاب كما لو أنه المحطة التالية الطبيعية بعد الزواج. وهنا مفارقة تستحق التأمل: أحد أكبر القرارات في حياة الإنسان قد يتخذه أحيانًا بأقل قدر من التفكير. نناقش شراء سيارة شهورًا، ونقارن بين أنواعها وأسعارها واستهلاكها، ثم ندخل تجربة ستعيد تشكيل عقود من حياتنا لأن (هذا ما يفعله الناس).

ربما كان السؤال الذي يستحق أن نسأله قبل الإنجاب أعمق من: هل أريد أطفالًا؟ لماذا أريدهم؟ فالطفل الذي يأتي إلى الحياة لا يوقع على أحلامنا عنه. قد تريد طبيبًا، فيخرج فنانًا. تريد هادئًا، فيأتيك كثير الأسئلة. تريد نسخة منك، فيكتشف العالم بطريقة لا تشبه طريقتك. وهنا تبدأ واحدة من أصعب مهام التربية: أن تحب الإنسان الذي جاءك، لا الإنسان الذي رسمته في خيالك قبل أن يأتي. أن تتعلم كيف تحب ابنك من دون أن تتعامل مع حياته كأنها ملك لك. تبدأ العلاقة بطفل لا يستطيع أن يشرب الماء من دونك، ثم تمضي السنوات وأنت تعلمه، خطوة خطوة، كيف يقل احتياجه إليك. تعلمه أن يأكل وحده، ويلبس وحده، ويذهب إلى المدرسة، ويختار أصدقاءه، ويتخذ قراراته. وتمضي معه حتى تصل إلى نجاح يحمل في داخله شيئًا من الحزن: يصبح قادرًا على الحياة من دون مساعدتك. ومن هنا نعود إلى السؤال الأول: لماذا تنجب أبناءً وتتعب في تربيتهم؟

لأن بعض الأشياء الكبرى في حياة الإنسان لا تقاس بمقدار الراحة التي تمنحها له، وإنما بمقدار المعنى الذي تضيفه إلى حياته. والطفل، في أجمل صور هذه التجربة، ليس استثمارًا لشيخوختك، ولا نسخة تحفظ اسمك، ولا مشروعًا تكتب له مستقبله مسبقًا. إنه إنسان تدعوه إلى الحياة، ثم تنفق جزءًا من حياتك كي تساعده على أن يصنع حياته بنفسه. وربما تكون أجمل مفارقة في الأبوة كلها أن تتعب سنوات طويلة في بناء إنسان، ثم تعرف أنك أحسنت تربيته حين يصبح قادرًا على السير بعيدًا عن يدك.

لكن ماذا عن أب رزق بابن واحد يحتاج إلى رعاية قد تمتد معه طوال حياته، ويعرف أن الاستقلال الذي تحدثنا عنه قد لا يأتي بالصورة نفسها؟ كيف يربيه على الاعتماد على نفسه، وهو يعرف أن حاجته إليه قد تبقى؟ وكيف يطمئن إلى مستقبله، وهو يعرف أنه لن يبقى معه إلى الأبد؟

ربما يصبح السؤال هنا مختلفًا تمامًا. لا يعود: كيف أعد ابني لحياة يستغني فيها عني؟ يصبح: كيف أعده لحياة قد تأتي بعدي؟

لستُ أدري.

كاتب رأي

 

 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.