كُتاب الرأي

لا تكن غبيا

لا تكن غبيا

فيصل مرعي الكثيري 

يقود رجل سيارته إلى مكان يعرفه جيدا، ثم يكتشف بعد عشر دقائق أنه سلك الطريق الخطأ. يخبره التطبيق أن عليه أن يعود، فيواصل السير قليلا. لماذا؟ لأنه قطع هذه المسافة بالفعل، وكأن الدقائق التي خسرها تستطيع أن تسترد نفسها إذا أضاف إليها دقائق أخرى.
قد نبتسم للمشهد، ثم نفعل الشيء نفسه في أماكن أكثر خطورة من الطريق.
نستمر في علاقة استنفدت معناها لأننا أمضينا فيها سنوات. نبقى في مشروع يتآكل لأننا أنفقنا عليه مالا كثيرا. ندافع عن رأي بدأنا نشك فيه لأننا قلناه أمام الناس بصوت مرتفع. ونواصل نقاشا نعرف أنه انتهى لأننا لا نريد للطرف الآخر أن يخرج شاعرا بأنه انتصر.
هنا يبدأ نوع من الغباء لا علاقة له بدرجات الذكاء. قد يكون صاحبه مثقفا، سريع البديهة، واسع المعرفة، وقادرا على تحليل أخطاء الآخرين ببراعة. ثم يصل إلى خطئه هو، فتتعطل هذه البراعة فجأة. الذكاء قد يساعدنا على الوصول إلى الفكرة، والنضج يظهر حين نعرف متى نغادرها. وهذا أصعب مما يبدو. فالإنسان لا يحمل أفكاره في رأسه فقط.. يضع بعضا منها في كرامته. فإذا قلت له إن فكرته خاطئة، فقد يسمع شيئا آخر: أنت أقل ذكاء مما تتصور. عندها يتحول النقاش من بحث عن الصواب إلى دفاع عن النفس.
ومن هنا نفهم رجلا يعرف أن شراءه كان سيئا، ثم يقضي نصف ساعة يشرح لك مزايا الشيء الذي ندم على شرائه. ونفهم مديرا اتخذ قرارا فاشلا، ثم أضاف إليه قرارات أخرى حتى لا يعترف بخطأ القرار الأول. ونفهم إنسانا اكتشف حقيقة مؤلمة عن شخص قريب منه، فأخذ يجمع الأعذار واحدا بعد الآخر، لأن الاعتراف بالحقيقة سيجبره على إعادة ترتيب سنوات كاملة من مشاعره.
نحن لا نخاف الحقيقة دائما بسبب ما تقوله عن العالم. أحيانا نخافها بسبب ما تقوله عنا.
ومن أذكى الأسئلة التي يستطيع الإنسان أن يطرحها على نفسه: لو لم أكن أنا صاحب هذا القرار، ماذا كنت سأقول عنه؟
جرّبه مع خلاف قديم. لو جاءك صديق وروى لك القصة نفسها، هل ستنصحه بما تفعله أنت الآن؟ وجرّبه مع فكرة دافعت عنها سنوات. لو سمعتها اليوم للمرة الأولى، هل ستقتنع بها بالقوة نفسها؟
هذا السؤال يضع مسافة صغيرة بين الإنسان ونفسه، وهي مسافة قد تكفي لرؤية ما كان يختفي وهو قريب جدا. فنحن حين ننظر إلى قرارات الآخرين نراها غالبا بوضوح أكبر، لأن كرامتنا ليست معلقة بها، ولا تاريخنا مربوطا بنتيجتها.
أما حين يكون القرار قرارنا، فيصبح العقل بارعا في صناعة الأسباب بعد وقوعه. نتصور أننا نفكر ثم نختار، وفي مواقف كثيرة نختار أولا، ثم نستدعي التفكير ليكتب المرافعة. ولهذا نستطيع أحيانا أن نقدم أسبابا ممتازة لأشياء نعرف في أعماقنا أنها ليست ممتازة.
حتى الاعتذار يقع في هذه المنطقة. يعرف الإنسان أنه أخطأ، ويستطيع إنهاء خصومة كاملة بجملة قصيرة، ثم يبدأ البحث عن صيغة تحفظ له شيئا لا يعرف ما هو. كأن الاعتراف بالخطأ سيأخذ منه أكثر مما أخذ الخطأ نفسه.
وربما كان هذا هو سر خوف بعض الناس من التراجع. إنهم لا يرونه تصحيحا لمسار، وإنما خدشا للصورة التي صنعوها عن أنفسهم. مع أن الإصرار على خطأ مكشوف أشد إحراجا من الاعتراف به. ماذا نخسر فعلا عندما نقول: كنت مخطئا؟ في الغالب نخسر صورة، وربما كانت هذه الصورة أثقل علينا من الخطأ نفسه. نحن نحب أن تبدو حياتنا متماسكة. نريد أن تكون قرارات الأمس منسجمة مع قرارات اليوم، وأن تبدو آراؤنا القديمة وكأنها خطوات محسوبة نحو ما نؤمن به الآن. والحياة أقل ترتيبا من ذلك بكثير. نتعلم، ونتغير، ونسيء التقدير، ونرى نصف الصورة ثم نتحدث كأننا رأيناها كاملة. وقد تظهر بعد سنوات معلومة صغيرة تكفي لتغيير الحكم كله.
فلماذا يصبح تغيير الرأي تهمة؟
الرأي الذي لا يستطيع صاحبه مراجعته يتحول مع الوقت من فكرة إلى قيد. وكلما طال بقاؤه صار الخروج منه أصعب، لأن الإنسان يشعر عندها أنه لا يراجع فكرة فقط؛ إنه يمس جزءا من تاريخه وصورته ومكانته أمام الآخرين.
وهنا تظهر المفارقة: قد يستخدم الإنسان ذكاءه نفسه كي يبقى مخطئا.
يبحث عن الاستثناءات، ويعيد تفسير الوقائع، ويتذكر ما يؤيده وينسى ما يزعجه، ثم يخرج مطمئنا إلى أنه انتصر. وقد يكون قد انتصر فعلا، لكن على الحقيقة التي كانت تحاول إنقاذه.
الذكاء لا يظهر فقط في سرعة الوصول إلى الجواب. يظهر أيضا في القدرة على السماح لجواب جديد بأن يهدم جوابا قديما.
لهذا يحتاج الإنسان من حين إلى آخر أن ينظر إلى نفسه كما لو كان ينظر إلى شخص آخر: ماذا كنت سأقول لهذا الرجل لو لم يكن أنا؟ لماذا يتمسك بهذا القرار؟ ماذا يخشى إذا اعترف؟ وما الذي يحاول إنقاذه: الحقيقة أم صورته أمام نفسه؟
عندها قد نكتشف أن كثيرا من أخطائنا لم يكن سببه نقص المعلومات. كانت المعلومات أمامنا، والإشارات واضحة، والتجربة قالت كلمتها أكثر من مرة. الذي وقف في الطريق كان كبرياء صغيرا، أو خوفا قديما، أو رغبة شديدة في أن يكون الواقع كما نريده.
لا تكن غبيا.
حين تعرف أن الطريق خطأ، عد. لا تسأل كم قطعت فيه، ولا تجعل ما خسرته حجة لخسارة المزيد. فالخطأ قد يكلفنا جزءا من الطريق، أما الإصرار عليه فقد يجعلنا ندفع ثمن الرحلة كلها.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.