كُتاب الرأي

اتفاقية مكة.. أثر بلا رصاصة

اتفاقية مكة.. أثر بلا رصاصة

بعد ساعات من توقيع ((اتفاقية مكة للدفاع المشترك))، بدأت حكايتها خارج الدول التي وقعتها. الهند تراقب، وإيران تحدد موقعها منها، وفي تركيا تطرح أسئلة عن حدود الالتزام. لم تتحرك جيوش، ولم تطلق رصاصة، ودخل الاتفاق سريعا إلى حسابات من لم يجلسوا حول طاولة التوقيع. وهنا تبدو إحدى أكثر زوايا الاتفاقية إثارة: لقد بدأت اختبارها الأول في عقول الآخرين قبل أن تختبر في ميدان عسكري. وقعت السعودية وتركيا وباكستان الاتفاقية في مكة المكرمة في 7 أغسطس 2026، وجاء في البيان المشترك أن هدفها تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي، وأن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا.
وفي اليوم نفسه جاء الموقف الهندي سريعا. فقد سئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية راندير جايسوال عن الاتفاق، فأوضح أن نيودلهي تتابع هذا التطور عن كثب، وأنها ستطلع وسائل الإعلام على أي مستجدات. وجود باكستان في قلب الاتفاق يجعل الاهتمام الهندي مفهوما، ويكشف في الوقت نفسه أن الترتيب الجديد دخل منذ أيامه الأولى دائرة المتابعة الاستراتيجية لدولة ليست طرفا فيه.
وجاء الموقف الرسمي الإيراني لاحقا هادئا. المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال في 10 أغسطس إن طهران لا ترى سببا للقلق من أن يكون الاتفاق موجها ضدها، وقرأه بوصفه مؤشرا على تحول في مقاربة دول المنطقة للأمن باتجاه اعتماد أكبر على قدراتها الذاتية بدلا من القوى الخارجية. وربط قدرة الترتيبات الإقليمية على دعم الأمن بفهمها للواقع الجيوسياسي والتاريخي للمنطقة ومصادر التهديد فيها. قد تبدو هذه تصريحات دبلوماسية معتادة، لكن السياسة تقرأ أحيانا من اضطر إلى الكلام قبل أن تقرأ ما قاله. حين تجد دولة نفسها مطالبة بتحديد موقفها من اتفاق لم تشارك فيه، وحين تبدأ دولة أخرى بمراقبة تطوره، فهذا يعني أن الاتفاق غادر صورة التوقيع وبدأ يعيش في حسابات الآخرين. وهذه في رأيي أول علامة تستحق الرصد قبل الحديث عن الطائرات وأعداد الجنود وحجم الترسانات. فالقوة السياسية قد تبدأ لحظة يضطر الطرف الآخر إلى إضافة احتمال جديد إلى غرفة القرار. كان من يفكر في أزمة تمس السعودية أو تركيا أو باكستان يقرأ قدرات كل دولة وشراكاتها بصورة منفردة، واليوم ظهر أمامه سؤال إضافي: ما الذي يمكن أن يفعله الشريكان الآخران؟
من هنا يبدأ الردع. فالخصم يحسب قدرة الدولة التي أمامه، ثم يضيف إليها الأطراف التي قد تتحرك معها، وطبيعة المساندة المحتملة، وما إذا كانت المغامرة التي بدت محدودة تستطيع أن تتسع إلى أزمة أكثر كلفة. ولهذا تستطيع اتفاقية دفاعية أن تعمل قبل أن تستخدم أدواتها العسكرية. فالقفل لا يحتاج إلى مواجهة كل من يفكر في فتح الباب؛ جزء من وظيفته يتحقق عندما يراه القادم فيعيد حسابه.
لكن الأثر الخارجي يمثل جزءا من الاختبار. فالأسئلة بدأت تظهر أيضا داخل إحدى الدول الموقعة.
الصحفي والمحلل التركي مراد يتكين طرح في 9 أغسطس مجموعة من الأسئلة حول الاتفاقية، خصوصا أن نصها الكامل لم يكن قد نشر علنا حتى ذلك الوقت. سأل عن الموقف التركي إذا تجدد النزاع بين الهند وباكستان، وعن احتمال انخراط تركيا في صراع يمس السعودية، وعن العلاقة بين الالتزام الجديد وعضوية أنقرة في حلف الناتو. وهذه ليست مواقف رسمية للحكومة التركية، وإنما أسئلة تكشف طبيعة النقاش الذي يظهر عندما تنتقل الاتفاقية من اللغة السياسية الكبرى إلى احتمالات الواقع.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قدم جزءا من الإجابة. فقد أوضح أن الاتفاق يقوم على مبدأ الدفاع المشترك، وشبهه من الناحية الفنية بالمادة الخامسة في حلف الناتو، مع تأكيده أن الدول الثلاث ستتشاور لتحديد درجة المساندة وشكلها إذا تعرض أحد الأطراف لهجوم. كما أوضح أن الاتفاق سيشهد تشكيل لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية، على أن تحدد التفاصيل التشغيلية في الاجتماع الأول للجنة. وأكد أيضا أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها، ولا يسعى إلى استبدال التحالفات القائمة. وهنا يقع الفارق بين اتفاقية قوية في معناها السياسي وتحالف قادر على العمل عند الأزمة. فالعبارة تستطيع أن تقول إن الاعتداء على أحد الأطراف اعتداء على الجميع، أما المؤسسة فتحتاج إلى إجابات أدق: من يتصل بمن؟ كيف تتبادل الدول المعلومات؟ من يقدر مستوى الخطر؟ وكيف يتحول القرار السياسي إلى فعل منسق تحت ضغط الوقت؟
الحرب الحديثة لا تنتظر انتهاء الاجتماعات. وقد تصبح غرفة اتصال تعمل خلال دقائق أكثر قيمة من عشرات الخطب. قوة ثلاثة جيوش لا تأتي من جمع أعدادها على الورق وحده؛ تأتي أيضا من قدرتها على فهم بعضها، وتبادل المعلومات، واتخاذ القرار، والعمل المشترك عندما يصبح الزمن جزءا من المعركة. ولهذا تعيش التحالفات في تفاصيل لا تظهر عادة في صور التوقيع: التدريب، والاتصال، والاستخبارات، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الحرجة. لهذا يبدو السؤال المتكرر حول ما إذا كانت اتفاقية مكة ((ناتو إسلاميا)) أقل أهمية من سؤال آخر: هل تستطيع الدول الثلاث بناء نموذج يناسب مصالحها وبيئتها؟
فيدان نفسه وضع مقارنة الناتو في حدودها حين أشار إلى أن الحلف الأطلسي يضم 32 دولة، وأن التجربة الجديدة تبدأ بثلاث دول وتحتاج إلى خطوات متواضعة ومحددة. كما تحدث عن رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ألا يظل الإطار محصورا في الدول الثلاث، وذكر مصر بوصفها مرشحا محتملا للانضمام بعد معالجة بعض المسائل الفنية.
التوسع يمنح أي تحالف وزنا أكبر، ويرفع في الوقت نفسه عدد المصالح والحسابات التي ينبغي التوفيق بينها. ولهذا قد يكون نجاح الدول المؤسسة الثلاث في بناء آلية قابلة للعمل أهم الآن من سرعة إضافة مقاعد جديدة حول الطاولة. فالتجربة التي تثبت قدرتها على العمل تصبح هي نفسها دعوة للآخرين.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالخيارات. تركيا عضو في حلف الناتو، والاتفاق الجديد، بحسب فيدان، لا يستبدل التحالفات القائمة. وهذا يعني أن اتفاقية مكة تضيف دائرة جديدة إلى شبكة العلاقات الموجودة من دون مطالبة الدول الموقعة بإغلاق دوائرها الأخرى. وتعدد الخيارات شكل من أشكال القوة. الطريق الواحد يجعل صاحبه أكثر تأثرا بما يحدث فيه، وتعدد الطرق يمنحه قدرة أوسع على الحركة. ولهذا يكتسب الموقف الإيراني دلالة إضافية عندما يقرأ الاتفاق في سياق توجه دول المنطقة نحو الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية.
هنا تصبح الفكرة أكبر من الدول الثلاث نفسها: إلى أي مدى تستطيع دول المنطقة أن تنتج جزءا متزايدا من أمنها عبر التعاون فيما بينها، مع احتفاظ كل دولة بعلاقاتها وشراكاتها الدولية؟
ويبقى التحدي الأصعب هو الزمن. فالظروف قد تجمع الدول حول مصلحة عاجلة، أما المؤسسة التي تعيش بعد تغير الظروف والأشخاص فتحتاج إلى مصالح أكثر تشابكا. التدريب والتنسيق العسكري والصناعة الدفاعية وتبادل الخبرات وبناء آليات دائمة للعمل تستطيع مع السنوات أن تحول الاتفاق من لحظة سياسية إلى علاقة يصبح استمرارها مفيدا لكل طرف.
وهنا تحديدا سيقاس نجاح اتفاقية مكة.
حتى الآن يصعب الحكم على قدرتها العسكرية، لأنها لم تدخل ذلك الاختبار. لكن شيئا آخر حدث بالفعل: الهند وضعتها تحت المراقبة، وإيران حددت موقفها منها، والنقاش التركي بدأ يسأل عن حدود الالتزام، والدول الموقعة بدأت رسم هياكلها المؤسسية. وهذا يعني أن الاتفاق بدأ يؤثر قبل أن يستخدم القوة التي يتحدث عنها. وربما تكون هذه إحدى أكثر خصائص القوة إثارة؛ فنحن نراها عادة عندما تستخدم، مع أن أعلى درجاتها قد تظهر حين تجعل استخدامها أقل ضرورة.
لهذا سيكون الحكم على نجاح اتفاقية مكة الآن مبكرا، كما أن انتظار حرب لاختبار قيمتها يختزل وظيفة التحالفات في لحظة إطلاق النار. الاختبار الأهم يجري قبلها: هل تغير الاتفاقية سلوك الآخرين؟ هل ترفع كلفة الاعتداء؟ هل تمنح أطرافها خيارات أوسع؟ وهل تستطيع تحويل ثلاث مصالح وطنية مختلفة إلى مصلحة مشتركة تعيش بعد تغير الظروف؟
إذا فعلت ذلك، فقد يكون أعظم إنجاز عسكري لاتفاقية مكة حربا لم تقع أصلا.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

تعليق واحد

  1. رأي جدير بالتقدير فالردع في أعلى درجاته ليس حرباً ننتصر فيها بل حرباً نجعل الخصم يعيد التفكير في خوضها أصلاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.