كُتاب الرأي
الجيل الذي لن يعرف خط أبيه

الجيل الذي لن يعرف خط أبيه
فيصل مرعي الكثيري
وجدت مرة ورقة قديمة في درج، كُتبت قبل نحو خمسة وأربعين عاما، عليها أرقام هواتف وأسماء كتبها والدي بخط يده. لم تكن رسالة، ولا وصية، ولا شيئا يفترض أن يحتفظ به الإنسان. مجرد ورقة أدت مهمتها منذ زمن، وكان من الطبيعي أن ترمى.
توقفت عندها أكثر مما تستحقه ورقة كهذه. الذي شدني لم يكن ما كُتب فيها، كانت الطريقة التي كُتب بها. ذلك الخط أعرفه. شكل الحروف، ميلها، المسافة بين الكلمات، الرقم الذي يكتبه بطريقة تختلف قليلا عن طريقتي. شيء من صاحب الخط بقي على الورقة بعد أن انتهت الحاجة إلى الكلام نفسه.
هنا خطر لي سؤال غريب: هل سيعرف أبناؤنا خطنا كما عرفنا خطوط آبائنا؟
نحن نكتب أكثر من أي جيل سبقنا. رسائلنا لا تتوقف، وهواتفنا تمتلئ بالكلمات، وأصابعنا تتحرك طوال اليوم فوق الشاشات. وقد نكون أول جيل يترك وراءه آلاف الصفحات من الكلام من غير أن يترك سطرا واحدا يدل عليه خطه. كانت الكتابة في زمن قريب تحمل شيئا من صاحبها. الرسالة تعرف كاتبها قبل أن تقرأ الاسم في أسفلها. الأم تميز خط ابنها، والابن يعرف خط أبيه، والمعلم يستطيع أحيانا أن يعرف الطالب من الورقة قبل أن يصل إلى خانة الاسم. اليوم نكتب جميعا بالحروف نفسها، حتى اختفى تفصيل صغير لم نفكر كثيرا في قيمته: كانت للكلمة هيئة شخصية. خط اليد ليس فنا بالضرورة. قد يكون جميلا أو رديئا، واضحا أو متعبا للقارئ. قيمته في أنه أثر جسدي للفكرة. اليد تحركت هنا، توقفت هنا، ضغطت على القلم، أسرعت في كلمة، وترددت في أخرى. ولهذا تبدو بعض الرسائل القديمة أقرب إلينا من نصوص أطول بكثير نقرأها على شاشة.
نحن لا نقرأ الكلمات وحدها، نرى الإنسان وهو يكتبها.
جرّب أن تجد رسالة قديمة كتبها شخص تحبه. ستلاحظ أنك تنظر إلى أشياء لا علاقة لها بمعنى الرسالة: شكل الألف، طريقة كتابة اسمه، الشطب فوق كلمة، السطر الذي صعد قليلا، والحرف الذي كُتب على عجل. التفاصيل التي لم يقصد صاحبها أن يقول بها شيئا أصبحت بعد سنوات جزءا مما بقي منه.
الرسالة الرقمية تصل نظيفة أكثر مما ينبغي. لا ارتجاف في الحرف، ولا أثر لتعب اليد، ولا فرق ظاهر بين كلمة كُتبت في هدوء وأخرى كُتبت في لحظة انفعال. ولهذا قد تحتفظ عائلة بورقة عشرات السنين، بينما تمر آلاف الرسائل الرقمية في حياتنا ثم تستقر في أرشيف لا نعود إليه.
التقنية تحفظ لنا أشياء لم يكن ممكنا حفظها من قبل. الصور، والمحادثات، والملاحظات، والوثائق، كلها يمكن أن تبقى سنوات طويلة. صار في وسع الإنسان أن يترك وراءه تفاصيل عن حياته أكثر مما ترك أي جيل سابق، وفي أثناء هذا الحفظ الهائل بدأ شيء صغير يختفي: خطنا.
قد يكبر طفل اليوم وهو يعرف صوت أبيه من التسجيلات، ووجهه من آلاف الصور، ويشاهد عشرات المقاطع له، ثم يعجز عن معرفة كيف كان يكتب اسمه. ننظر إلى التقنية عادة من جهة ما أضافته إلى حياتنا، وهي أضافت الكثير. بعض التحولات نكتشفها من الأشياء التي خرجت من حياتنا بهدوء. لم يجتمع الناس ذات صباح ويقرروا التخلي عن خط اليد. رسالة قصيرة أخذت مكان الورقة، ثم أخذت ملاحظة الهاتف مكان الدفتر، ثم صار التوقيع إلكترونيا، حتى أصبح القلم يقضي أياما طويلة على المكتب من غير أن يحتاج إليه أحد.
بعض الأشياء تختفي لأن حاجتنا إليها تقل، ثم نكتشف متأخرين أن فائدتها لم تكن هي قيمتها كلها.
هنا يصبح السؤال أكبر من الحنين إلى الورق: هل كان خط اليد يؤدي وظيفة إنسانية لم ننتبه إليها إلا حين بدأ يختفي؟
حين ترى دفتر والدك القديم، أنت أمام شيء مر بعقله ويده معا. أمسك القلم، ووضع الورقة أمامه، وترك هذه العلامات التي تنظر إليها الآن. قد تفصل بينكما عشرات السنين، وما زلت تمسك شيئا أمسكه هو يوما.
بعد خمسين عاما قد يفتح الأبناء ملفاتنا القديمة. سيجدون رسائل كثيرة، وصورا كثيرة، وربما تفاصيل أكثر مما وجدناه نحن عن آبائنا. سيعرفون أين سافرنا، وماذا أكلنا، وما الذي قلناه في مناسبات عابرة. قد يعرفون عنا أكثر مما عرفنا نحن عن آبائنا.
وسيبقى شيء بسيط مجهولا: كيف كان أبي يكتب اسمي؟
فالإنسان يترك شيئا من نفسه في تفاصيل لا ينتبه إليها وهو يعيشها: هامش كتاب، قائمة مشتريات، رقم هاتف كُتب على عجل، أو كلمة قصيرة كتبها لطفله ثم نسيها.
وقد يأتي زمن تصبح فيه ورقة كهذه أثمن مما كنا نظن، لأنها تحمل شيئا لا تستطيع ملايين الكلمات الرقمية أن تحمله:
أثر اليد التي كتبتها.
