كُتاب الرأي

لماذا تبقى بعض المقالات ؟

لماذا تبقى بعض المقالات ؟

فيصل مرعي الكثيري 

قرأت البارحة مقال الأستاذ القدير محمد الفريدي بعنوان ((اعترافات كاتب مقال)). خرجت منه بسؤال لم يطرحه المقال مباشرة، لكنه أيقظه في ذهني. فبعد أن فرغت من قراءته، لم يتوقف تفكيري عند سؤال: لماذا يكتب الإنسان؟ فقد وجدت نفسي أسأل: لماذا تبقى بعض المقالات حية، بينما تموت آلاف المقالات بعد أيام من نشرها؟

في البداية ظننت أن السر في جمال اللغة. ثم تذكرت أن العربية مليئة بالكتاب الذين أجادوا البيان، وطواهم النسيان. وظننت أن السر في كثرة المعلومات، ثم أدركت أن كثيرا من المعلومات يفقد قيمته مع مرور الزمن. وفكرت في الآراء، فوجدت أن الرأي يتبدل بتبدل الأزمنة والظروف.

فأين يكمن سر البقاء؟

لعلنا نخطئ حين نظن أن المقال العظيم هو الذي يملأ عقل القارئ بالأفكار. فما أكثر الأفكار التي نقرأها ثم ننساها. أما المقال الذي يبقى، فهو الذي يترك في العقل طريقة جديدة للنظر. قد ينسى القارئ عباراته، وقد لا يتذكر أمثلته، لكنه يخرج وهو يرى الأشياء على نحو مختلف. ولهذا ما زلنا نقرأ للعقاد، وطه حسين، والرافعي، وأحمد أمين، وعلي الطنطاوي، وأنيس منصور. لم يبقوا لأن كل ما كتبوه صالح لكل زمان، ولا لأن الناس اتفقوا مع آرائهم، فقد خالفهم كثيرون. بقوا لأنهم علموا أجيالا كاملة كيف تسأل، وكيف تناقش، وكيف تنظر إلى الحياة بعين أكثر اتساعا.

وقد تخدعنا أرقام القراءة والتفاعل، فهي تخبرنا كم شخصا قرأ المقال، ولا تخبرنا كم إنسانا تغيرت طريقته في التفكير بعد قراءته. قد يتصدر مقال شاشات الهواتف أياما، ثم يختفي مع أول حدث جديد، بينما يظل مقال آخر يعيش في ذهن قارئ واحد سنوات طويلة، ثم يولد في نفسه أسئلة جديدة كلما اتسعت تجربته. ومن هنا أرى أن الكاتب لا ينجح حين يقنع قارئه بفكرته، فالإقناع قد ينتهي بانتهاء الجدل. النجاح الحقيقي يبدأ عندما يمنح قارئه أداة يفكر بها، لا فكرة يكررها.

وقد ينسى الإنسان عنوان المقال، واسم كاتبه وتاريخ نشره، لكنه قد يظل ينظر إلى الحياة بالطريقة التي علمه ذلك المقال إياها. وتلك في ظني، الحياة الحقيقية لأي مقال.

كاتب رأي 

 

 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.