كُتاب الرأي

ماذا صنعت بما حدث لك؟

ماذا صنعت بما حدث لك؟

فيصل مرعي الكثيري 

كثير من الناس يقضون سنوات طويلة منشغلين بما جرى لهم. يستعيدون خذلانا قديما، أو ظلما وقع عليهم، أو فرصة ضاعت من بين أيديهم. يروون الحكاية مرة بعد أخرى حتى تصبح جزءا من تعريفهم لأنفسهم. ومع مرور الوقت يتحول الألم من ذكرى عابرة إلى عنوان يقيمون تحته سنوات طويلة.
والحياة مليئة بما لا نختاره. لا أحد يطلب الخسارة، ولا يتمنى الخذلان، ولا يستقبل الأذى بالترحاب. تلك أحداث تمر في طريق البشر جميعا، بدرجات متفاوتة وصور مختلفة. لكن الفارق الحقيقي لا يصنعه الحدث نفسه، فالأحداث تقع كل يوم لملايين البشر، بينما تصنع الاستجابة مسارات مختلفة تماما.
هناك من يحول التجربة القاسية إلى بصيرة، وهناك من يحولها إلى سجن. هناك من يتعلم من الجرح، وهناك من يجعل الجرح هويته. ولهذا لا تتشابه مصائر الناس رغم تشابه ما يمرون به أحيانا.
ولعل أكثر ما يستنزف الإنسان أن يربط مستقبله بما ينتظره من الآخرين. ينتظر اعتذارا قد لا يأتي، أو اعترافا بالخطأ قد لا يحدث، أو شعورا بالندم قد لا يزور الطرف الآخر أبدا. وخلال هذا الانتظار تمضي الأيام، بينما تبقى الحياة متوقفة عند محطة قديمة.
لهذا تبدو الأفكار التي تعد الإنسان بتغيير واقعه عبر الأمنيات وحدها شديدة الجاذبية. فهي تخفف عنه عبء المواجهة، وتمنحه شعورا مؤقتا بأن الأمور ستتبدل من تلقاء نفسها. والحياة تعلمنا درسا مختلفا؛ فالبذرة لا تنبت بالأمنيات، تنبت حين تقبل أن تدفن نفسها في التراب أولا.
ومع مرور السنوات يكتشف المرء أن بعض الأشخاص يغادرون حياته، ويواصلون الإقامة داخل عقله. يستحضرهم في كل موقف، ويعيد محاكمتهم في كل ليلة، ويمنحهم مساحة من التفكير لا يستحقونها. وحين يصل إلى درجة من النضج يدرك أن التحرر يبدأ عندما يفقد المسيء مكانه داخل الذاكرة اليومية، ويتحول من قضية حاضرة إلى ذكرى عابرة. كما تعلمنا الحياة أن الطيبة تحتاج إلى بصيرة، وأن حسن الظن يحتاج إلى وعي، وأن وضوح الحقيقة لا يكفي دائما لحمايتها. فهناك من يعيد ترتيب الوقائع حتى تبدو صورته أجمل مما هي عليه، وهناك من يحمل الآخرين مسؤولية أخطائه، وهناك من يتقن دور الضحية حتى يختلط الأمر على من حوله. ومع تراكم التجارب تتغير نظرتنا إلى الصراع نفسه. نكتشف أن بعض المعارك تستهلك من العمر أكثر مما تستحق، وأن بعض الانتصارات تحمل كلفة تفوق قيمتها. وعندها تصبح الحكمة في اختيار المعركة قبل التفكير في كسبها.
ويبقى التوازن هو الدرس الأهم. أن تأخذ بالأسباب بكل ما تملك من جهد، وأن تترك قلبك مطمئنا إلى الله. ففي تلك المسافة الهادئة بين السعي والرضا تنضج النفس، ويخف ثقل الخيبة، ويصبح الطريق أوسع من الماضي.
لا تحدد قيمة الإنسان الأحداث التي مرت به، فالأحداث تمر بالجميع. ويظل الفارق في الطريقة التي نحول بها التجربة إلى معنى، والجرح إلى خبرة والتعثر إلى خطوة جديدة.
لهذا يبقى السؤال الذي يستحق التأمل:
ماذا صنعت بما حدث لك؟

كاتب رأي

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.