*الأمسية الأدبية… بين الأمس واليوم*

*الأمسية الأدبية… بين الأمس واليوم*
*✒️ محمد عمر المرحبي*
كانت الأمسية الأدبية في الماضي أكثر من مجرد فعالية تُقام في مساء عابر كانت موعداً ينتظره المثقفون ونافذة يطل منها القارئ على تجربة فكرية أو أدبية ناضجة وما إن يعلن أحد الأندية الأدبية عن ضيفها حتى تبدأ الأحاديث عنه ويتسابق المهتمون إلى قراءة كتبه أو مراجعة أفكاره استعداداً للنقاش وكانت القاعة قبل بدء اللقاء تمتلئ بأكاديميين ونقاد وباحثين وكتاب وطلاب دراسات عليا وقراء جاؤوا يحملون أسئلتهم قبل أن يحملوا هواتفهم
ولم يكن الضيف يُختار لمجرد حضوره الإعلامي أو شهرته العابرة بل لأنه صاحب مشروع فكري أو ناقد له وزنه أو باحث أثرى المكتبة أو أديب أثبت حضوره عبر سنوات من الكتابة والإنتاج وكانت المداخلات في كثير من الأحيان لا تقل قيمة عن المحاضرة نفسها لأن الحضور كانوا جزءاً من المشهد الثقافي لا مجرد متلقين
ورغم ما كان يؤخذ على الأندية الأدبية من بطء في الإجراءات أو شيء من البيروقراطية فإنها حافظت على هيبة المنصة الثقافية وجعلت الوصول إليها مرتبطاً بالاستحقاق لا بمجرد الرغبة في الظهور
ثم جاءت مبادرة الشريك الأدبي بفكرة تستحق التقدير إذ هدفت إلى توسيع دائرة النشاط الثقافي وإخراجه من مقرات الأندية إلى فضاءات المجتمع لتصل الأمسية الأدبية إلى جمهور أوسع ولا شك أن المبادرة نجحت في زيادة عدد الفعاليات وانتشارها وهذا جانب إيجابي لا يمكن إنكاره
لكن مع هذا التحول بدأت الأمسية الأدبية تفقد شيئاْ من ملامحها التي عرفها الوسط الثقافي لعقود فلم تعد القضية في بعض الفعاليات مرتبطة بما سيقدمه الضيف من معرفة بقدر ما أصبحت مرتبطة بسرعة تنظيم الفعالية وعدد الحضور والتغطية الإعلامية المصاحبة لها وهنا بدأ الفرق بين المؤسسة التي تصنع مشروعاً ثقافيًاً طويل الأمد والمبادرة التي تنجح في صناعة حدث ثقافي عابر
وتبعًاً لذلك تغيرت معايير اختيار الضيوف ففي السابق كانت المنصة غالباً تستضيف القامات الفكرية والنقدية والباحثين والمؤرخين وأساتذة الجامعات وأصحاب التجارب الأدبية الراسخة أما اليوم ففي بعض الفعاليات أصبحنا نشاهد أسماء لا تزال في بداياتها بينما تراجع حضور كثير من الأسماء التي أسهمت في صناعة الوعي الثقافي لعقود وليس المقصود هنا التقليل من قيمة الجيل الجديد فلكل جيل حقه في الحضور لكن لكل منصة أيضاً معاييرها ولكل مرحلة استحقاقها
ولم يتغير الضيف وحده بل تغير الجمهور أيضاً ففي الماضي كان الحضور يأتي ليحاور ويناقش وكانت المداخلة الجيدة تُثري الأمسية وربما فتحت باباً لفكرة جديدة أو بحث جديد أما اليوم ففي بعض اللقاءات غلب الطابع الاجتماعي على الطابع المعرفي وأصبحت الصورة التذكارية في نهاية الأمسية تحظى باهتمام يفوق ما قيل على المنصة. ولا يعني ذلك أن كل الفعاليات أصبحت كذلك لكنه مشهد يتكرر بما يستحق أن نتوقف عنده
كما تغيرت المادة التي تقدم في بعض الأمسيات فبعد أن كانت تعالج قضايا فكرية ونقدية وتاريخية ولغوية وأدبية عميقة أصبحنا نشاهد لقاءات يغلب عليها الحديث العام أو التعريف بتجارب لا تزال في بداياتها دون أن تضيف للمشهد الثقافي ما يوازي الوقت والجهد المبذولين فيها
ومن أبرز ما أفرزه هذا التحول سرعة منح الألقاب الثقافية فقد أصبح بعض الباحثين عن الحضور يرى في إصدار كتاب ولا سيما الرواية طريقاً مختصراً للوصول إلى المنصة الثقافية وهنا لا نتحدث عن الرواية بوصفها فناً فهي من أرقى الفنون الأدبية وأصعبها وقد صنعت أسماء خالدة في الأدب العربي والعالمي لكن الإشكال أن بعض التجارب الأولى تُقدَّم أحياناً كما لو كانت مشاريع أدبية مكتملة مع أن كبار الروائيين لم يصنعهم كتاب واحد ولم تمنحهم أعمالهم الأولى لقب روائي بل أمضوا سنوات طويلة في الكتابة والمراجعة والاستفادة من النقد حتى نضجت تجاربهم واستحقت مكانتها
فليس كل من نشر روايته الأولى أصبح روائياً كما أن كل من أصدر كتاباً لا يصبح مفكراً أو ناقداً فالألقاب الثقافية ليست شهادات تُمنح بمجرد الطباعة وإنما هي ثمرة تجربة طويلة يشهد لها المنجز ويقر بها الوسط الثقافي ويثبتها الزمن
إن القضية ليست في مبادرة الشريك الأدبي بحد ذاتها ولا في المكان الذي تقام فيه الأمسية بل في المحافظة على المعايير التي تمنح المنصة هيبتها فكلما ارتفع معيار الاختيار ارتفع مستوى الضيف وارتقى الحوار ونضجت ذائقة الجمهور أما إذا أصبح الوصول إلى المنصة أسهل من استحقاقها فإن الخاسر لن يكون كاتباً أو ناقداً بعينه بل ستكون الخاسر الأكبر هي الأمسية الأدبية نفسها
ولذلك فإن مراجعة هذه التجربة أصبحت ضرورة لا لإلغاء الشريك الأدبي وإنما لتطويره وإعادة الاعتبار لمعايير الاختيار وإشراك القامات الفكرية والنقدية في رسم برامجه حتى تستعيد الأمسية الأدبية رسالتها الحقيقية بوصفها منبراً للمعرفة لا مجرد فعالية تُضاف إلى رزنامة الأنشطة.
لقد نجح الشريك الأدبي في توسيع الحراك الثقافي لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطوة أخرى وهي الارتقاء بمستوى هذا الحراك لأن الثقافة لا تُقاس بعدد الأمسيات التي نقيمها وإنما بقيمة الأفكار التي نغرسها وبنوعية الأسماء التي نقدمها وبالأثر الذي يبقى في العقول بعد أن تنطفئ الأضواء وتُطوى المقاعد.
كاتب رأي
