كُتاب الرأي

*من يقود الذائقة الثقافية اليوم؟*

*من يقود الذائقة الثقافية اليوم؟*

*✒️ محمد عمر المرحبي*

في كل عصر كانت هناك جهات ترسم ملامح الذائقة الثقافية وتؤثر في اختيارات الناس فمرة كان المعلم ومرة كان الناقد ومرة كانت المجلات الثقافية والمنتديات الأدبية وكانت الأعمال الأدبية تشق طريقها إلى القراء عبر القراءة والنقد والحوار الثقافي لا عبر الضجيج الإعلامي وحده أما اليوم فقد تبدلت أشياء كثيرة وأصبح الكتاب الذي يتصدر الشاشات يصل إلى الناس أسرع من الكتاب الذي يتصدر قوائم الجودة وبين ضجيج الشهرة وصوت النقد الهادئ يبرز سؤال لا يخص الأدب وحده بل يخص الوعي كله: من يقود الذائقة الثقافية اليوم؟
ولعل من المشاهد اللافتة في السنوات الأخيرة ما شهدناه في أحد المعارض الدولية للكتاب في أحدى البلدان العربية حين تهافتت أعداد كبيرة من الشباب والشابات على أحد الكتاب حتى تحولت فعالية التوقيع إلى ازدحام شديد استدعى تدخل الجهات المنظمة ولم يكن السؤال يومها عن حجم الحضور بقدر ما كان عن دلالة هذا الحضور: كيف تشكلت هذه الجماهيرية؟ ومن صنعها؟ وهل جاءت نتيجة قيمة أدبية راسخة أم بفعل التسويق والإعلام ومنصات التواصل؟
هنا لا نتحدث عن كاتب بعينه فالأسماء تتغير والظواهر تبقى وإنما نتحدث عن تحول ثقافي كبير جعل الشهرة في كثير من الأحيان تتقدم على النقد والانتشار يسبق التقييم وعدد المتابعين يطغى على قيمة المنتج الثقافي نفسه
لقد كان الناقد الأدبي في الماضي أحد أهم صناع الذائقة وكانت الصفحات الثقافية والندوات الأدبية تقوم بدور الفرز والتمييز بين الأعمال فيتعرف القارئ من خلالها على النصوص الجديرة بالقراءة أما اليوم فقد انتقلت سلطة التأثير إلى فضاء مختلف فضاء تحكمه الخوارزميات وتديره المنصات الرقمية ويقوده المؤثرون وصناع المحتوى أكثر مما يقوده النقاد والأكاديميون
وأصبح من المألوف أن يحقق كتاب ما انتشاراْ واسعاْ قبل أن يخضع لأي نقاش نقدي جاد وأن تتحول أرقام المبيعات ومشاهدات المقاطع القصيرة إلى شهادة جودة في نظر كثير من الناس ومع الوقت بدأت معايير التقييم تتغير فلم يعد السؤال: ماذا يقدم هذا العمل؟ بل كم حقق من انتشار؟ وكم مرة ظهر صاحبه في المنصات؟ وكم صورة التقطها الجمهور معه؟
ومن هنا يمكن فهم بعض المواقف النقدية التي أبداها عدد من النقاد تجاه بعض الظواهر الروائية المعاصرة فقد كان الناقد الراحل سعيد السريحي رحمه الله من الأصوات التي أثارت تساؤلات مهمة حول العلاقة بين الجماهيرية والقيمة الأدبية محذراْ من الخلط بين الانتشار والتميز الفني كما أبدى الدكتور سعد البازعي متعه الله بالصحة والعافية ملاحظات نقدية حول بعض الأعمال التي حققت حضوراْ جماهيرياْ واسعاْ مؤكداْ أن الرواج التجاري لا يكفي وحده للحكم على القيمة الأدبية للنص
ولم يكن السريحي والبازعي وحدهما من أثارا هذه الأسئلة بل هي قضية شغلت عدداْ من النقاد والمثقفين الذين رأوا أن اتساع الفجوة بين الشهرة والقيمة الأدبية يستدعي مراجعة جادة لدور النقد والإعلام والمؤسسات الثقافية في تشكيل الوعي العام
وقد يختلف الناس مع هذه الآراء أو يتفقون معها لكن القيمة الحقيقية لها أنها أعادت طرح السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أي مجتمع حي: من الذي يحدد معايير الجودة الثقافية؟ هل هو الناقد المتخصص؟ أم الناشر؟ أم المؤثر؟ أم الجمهور نفسه؟
لكن القضية لا تقف عند حدود الاختلاف بين ناقد وكاتب أو بين مؤيد ومعارض بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاْ: أين اختفى دور النقد؟ وكيف أصبح صوت الناقد أقل تأثيراْ من مقطع قصير لا يتجاوز ثواني معدودة على إحدى المنصات؟
إن المشكلة ليست في أن الشباب يقرؤون الروايات فالقراءة في أصلها سلوك محمود ولا في أن يحقق كاتب نجاحاْ جماهيرياْ فهذا حق مشروع لكل مبدع لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهرة إلى معيار وحيد للحكم على الأعمال وعندما يصبح الانتشار بديلاْ عن التقييم النقدي وعندما يُقاس الأدب بعدد الصور والطوابير والمشاهدات أكثر مما يقاس بما يحمله من قيمة فكرية وجمالية
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن جزءاْ من المسؤولية يقع على بعض وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية نفسها فبدل أن تقوم بدورها في توجيه الذائقة وتقديم الأعمال الجديرة بالقراءة انجرفت أحياناْ وراء منطق المشاهدات والتفاعل السريع وأصبح بعض الإعلام الثقافي يلاحق الظواهر الرائجة بدل أن يصنع الوعي بها أو يناقشها نقدياْ وهكذا تحولت بعض المنصات من أدوات للتثقيف إلى أدوات للترويج ومن صناعة الوعي إلى صناعة النجومية
كما أن بعض دور النشر أسهمت في هذا التحول حين أصبح معيار النجاح لديها هو حجم المبيعات وحده ولا شك أن الربح حق مشروع لكن الثقافة حين تُدار بعقلية السوق وحدها تفقد جزءاْ كبيراْ من رسالتها فليس كل ما يبيع كثيراْ يصنع وعياْ وليس كل ما يجذب الجمهور يضيف إلى رصيده المعرفي أو الجمالي
ولعل ما يزيد المشهد تعقيداْ أن الثقافة نفسها لم تعد تُقدَّم في كثير من الأحيان بوصفها مشروعاْ لبناء المعرفة والوعي بل بوصفها منتجاْ استهلاكياْ يخضع لقوانين السوق. فكما تتنافس الشركات على تسويق السلع أصبحت بعض الجهات تتنافس على تسويق الأسماء والكتب والظواهر الثقافية ومع مرور الوقت لم يعد النجاح مرتبطاْ دائماْ بما يقدمه العمل من قيمة بل بقدرته على جذب الانتباه وإثارة الجدل وتحقيق الانتشار
ومن هنا بدأنا نرى أعمالاْ تحقق حضوراْ واسعاْ خلال فترة قصيرة ثم لا تلبث أن تتراجع من الذاكرة الثقافية بعد سنوات قليلة بينما تبقى الأعمال العميقة حاضرة رغم مرور العقود فالتاريخ الأدبي لا يحتفظ بكل ما يحقق رواجًاْ وإنما يحتفظ بما يملك القدرة على البقاء والتأثير وتجاوز حدود زمنه ولو كانت الشهرة وحدها معيار الخلود لما بقيت لنا الأعمال الكبرى التي صنعت وجدان الأمة عبر أجيال متعاقبة.
والأخطر من ذلك أن جيلاً كاملاْ قد ينشأ وهو يظن أن الأدب هو ما تفرضه المنصات وأن القيمة هي ما يحقق أعلى نسبة تداول وأن الكاتب الكبير هو الأكثر شهرة لا الأكثر أثراْ وعند هذه النقطة لا تكون المشكلة في رواية أو كاتب أو ظاهرة عابرة بل في تشكل وعي ثقافي جديد فقد القدرة على التمييز بين القيمة الحقيقية والقيمة المصنوعة
ولذلك فإن معالجة هذه القضية لا تكون بمحاربة القراء أو التقليل من اختياراتهم ولا بتحويل النقاش الثقافي إلى معركة بين الأجيال وإنما بتقديم البدائل الجادة القادرة على الجمع بين المتعة والقيمة فالفراغ لا يبقى فراغاْ وإذا غابت الأعمال الرفيعة عن متناول القارئ أو قُدمت له بلغة نخبوية منفصلة عن واقعه فمن الطبيعي أن يبحث عما هو أقرب إليه وأكثر قدرة على جذب انتباهه
كما أن على النقاد أنفسهم مسؤولية لا تقل أهمية فالنقد لا يؤدي رسالته إذا اكتفى بالمجاملات أو الصمت أو الخوف من ردود الأفعال فحين يتراجع النقد الصريح وتتسع دائرة الإشادة غير المستحقة يصبح القارئ وحيداْ أمام سيل من المنتجات الثقافية التي لا يجد من يرشده إلى تمييز جيدها من رديئها
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف الناس حول كتاب أو كاتب فذلك أمر طبيعي وصحي وإنما أن يفقد المجتمع بوصلته الثقافية فيصبح الانتشار دليلاْ على الجودة وتصبح الشهرة بديلاْ عن القيمة ويغدو عدد المتابعين أقوى من رأي الناقد والخبرة الأدبية
فالأجيال لا تصنعها موجات الإعجاب العابرة بل تصنعها الأفكار التي تبقى حية في العقول بعد أن يخفت ضجيج الشهرة ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا: من يقود الذائقة الثقافية اليوم؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الثقافة التي سنورثها للأجيال القادمة ثقافة تبحث عن القيمة والمعرفة أم ثقافة تكتفي بما تصنعه الشهرة ويكرسه الضجيج.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.