محمد صادق دياب .. حكواتي جدة

محمد صادق دياب .. حكواتي جدة
محمد الفريدي
حين نستحضر الساحة الأدبية والصحفية في المملكة، يلوح اسم الكاتب الكبير محمد صادق دياب بوصفه قامة ثقافية تركت بصمة لا تُمحى؛ فلم يكن -رحمه الله- كاتبا عاديا يدوّن مقالات ويؤلّف كتبا، وإنما كان شاهدا على تحولات مجتمعه، وحارسا أمينا لذاكرة مدينته التي عشقها حتى غدت جوهر مشروعه الفكري.
لقد ارتحل بوجدانه مع مدينة جدة حتى استحق بامتياز لقب (حكواتي جدة)؛ ونجح ببراعة في صون تفاصيلها المنسية، وإعادة تقديمها للأجيال بلغة تزاوج بين عذوبة السبك الأدبي ورصانة التوثيق.
ولد أديبنا الكبير في مدينة جدة عام 1363هـ الموافق 1944م، ونشأ بين أحيائها القديمة التي كانت تمثل آنذاك نموذجا للحياة الاجتماعية المتماسكة.
في تلك الأزقة الضيقة والأسواق الشعبية والحارات العريقة تشكّل فكره الأول، فكان يرى في كل بيت حكاية، وفي كل زقاق ذاكرة، وفي كل شخصية ملامح تستحق أن تُروى، ولم تكن جدة بالنسبة إليه مجرد مكان للإقامة، وإنما كانت كتابا مفتوحا ظل يقرأ فيه طوال حياته، ثم أعاد كتابته بأسلوبه الخاص.
بدأ تعليمه في الكتاتيب، ثم انتقل إلى مدرسة الفلاح التي كانت تُعدّ من أعرق المدارس في الحجاز، وتلقى تعليما أسهم في صقل شخصيته وبناء اهتماماته الثقافية.
وقد عُرف عنه منذ سنواته الأولى ميله إلى القراءة والاطلاع، فكان يقضي ساعات طويلة بين الكتب، يبحث عن المعرفة ويُكوّن ثقافته التي انعكست لاحقا في كتاباته المتنوعة.
واصل دراسته الجامعية في مجال التربية وعلم النفس، ثم ابتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل على درجة الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكونسن.
وبعد مسيرة علمية وثقافية طويلة، نال درجة الدكتوراه في علم الاجتماع عام 2009، إلا أنه بقي وفيا لتواضعه، فلم يحرص على تقديم نفسه بلقب (الدكتور)، مفضلا أن يبقى قريبا من الناس، وأن يعرف باسمه الذي صنع حضوره عبر الكتابة والعمل الثقافي.
ورغم المكانة التي بلغها، ظل بعيدا عن التفاخر، فلم يعرف عنه السعي إلى المناصب أو الألقاب، وكان يردد أن الكاتب الحقيقي هو من يبقى أثره في كتبه ومقالاته.
استهل مسيرته المهنية في حقل التربية والتعليم معلما، ثم تدرج ليعمل في معاهد إعداد المعلمين، قبل أن ينتقل إلى كلية المعلمين محاضرا فيها، ويتولى رئاسة قسم التوجيه والإرشاد.
وقد ألقت خلفيته التربوية بظلالها على نهجه الكتابي، فبات يميل إلى الطرح الرصين الهادئ بعيدا عن الانفعال، مدفوعا بإيمان عميق بأن أثر الكلمة يكمن في مخاطبتها للعقل قبل العاطفة.
ومع نجاحه في المجال التعليمي، كانت الصحافة تستقطبه شيئا فشيئا، حتى أصبحت ميدانه الأوسع؛ فكتب في عدد من الصحف والمجلات السعودية والعربية، من بينها صحيفة المدينة، وصحيفة البلاد، وصحيفة الشرق الأوسط، كما أسهم في الكتابة لمجلتي سيدتي واقرأ.
وقد تميزت مقالاته بقدرتها على المزج بين الرؤية الاجتماعية والحبكة الأدبية، فكان القارئ يجد في مقالاته معلومات موثقة، وحكايات مشوقة، ولمسات إنسانية لا تخطئها العين.
وأبرز ما ميزه أنه عاش تفاصيل المكان الذي أحب، فوثق الحارات والأسواق والمهن الشعبية والعادات والتقاليد والأمثال واللهجات المحلية، إيمانا منه بأهمية حفظها من الاندثار مع التحولات العمرانية المتسارعة، حتى أصبحت كتبه مراجع يعتمد عليها الباحثون.
أدرك أن التاريخ لا يكتب بالأحداث الكبرى وحدها، وإنما أيضا بتفاصيل الحياة اليومية، لذلك آمن بأن التراث ركيزة للهوية الوطنية، ودعا إلى توثيق الذاكرة الشعبية للأجيال المقبلة.
ومن هنا جاءت مؤلفاته المتعددة التي تناولت تاريخ جدة، وذاكرتها الشعبية، ولهجتها المحلية، وعادات أهلها، وشخصياتها المؤثرة، وخلال مسيرته أصدر عددا كبيرا من المؤلفات التي تنوعت بين الرواية والقصة والبحث التاريخي والدراسات الاجتماعية، وتميزت جميعها بسهولة الأسلوب، ودقة المعلومة، وثراء المادة.
ولم يكن هدفه من ذلك مجرد تسجيل المعلومات، وإنما المحافظة على التراث الاجتماعي من الاندثار، في وقت كانت فيه المدن تشهد تغيرات متسارعة بفعل التنمية والتوسع العمراني.
ولم ينظر إلى الكتابة بوصفها مهنة يومية تنتهي بانتهاء نشر المقال، وإنما كان يؤمن بأنها مشروع طويل لحفظ الذاكرة الوطنية؛ لذلك جاءت مؤلفاته متكاملة، يخدم بعضها بعضا، حتى بدا وكأنه يكتب فصول كتاب كبير عنوانه (جدة والإنسان).
وإلى جانب ذلك، كتب الرواية والقصة القصيرة، وقدم عددا من المؤلفات التي جمعت بين البحث التاريخي والأسلوب الأدبي، وهو ما جعل أعماله تحظى باهتمام القراء والباحثين معا.
فقد استطاع أن يقدم التاريخ بلغة محببة، بعيدة عن الجفاف الأكاديمي، وأن يحول الوثيقة إلى حكاية، والحكاية إلى نافذة لفهم المجتمع.
ولم يكن نجاحه نابعا من موهبته الأدبية فحسب، وإنما من منهجه في البحث أيضا؛ فقد كان شديد الحرص على التحقق من المعلومات، ومقارنة الروايات، والعودة إلى المصادر، والاستفادة من شهادات المعاصرين.
كما لم يعتمد على مصدر واحد، وإنما حرص على الرجوع إلى الوثائق، والتثبت من الأسماء والتواريخ، مما منح أعماله قدرا كبيرا من المصداقية.
أما على المستوى الإنساني، فقد عرفه أصدقاؤه رجلا متواضعا، هادئ الطباع، واسع الثقافة، قريبا من الجميع. وتحدث عدد من الأدباء والصحفيين الذين عرفوه عن إنسانيته قبل ثقافته، فوصفوه بأنه واسع الصدر، كريم المعشر، حاضر البديهة، ويمتلك حسا فكاهيا راقيا.
وكان يحرص على أن يكون الحوار وسيلة للتقارب لا للخلاف؛ فلم يكن من أصحاب الضجيج الإعلامي، ولم يسع إلى الأضواء، وإنما ترك لنتاجه الثقافي أن يتحدث عنه.
وانعكس هذا التواضع في علاقته بزملائه وطلابه، فكان يستقبل الجميع ببشاشة، ويقدم خبرته بسخاء، ولا يتردد في مراجعة أعمال الباحثين الشباب وإبداء ملاحظاته عليها.
وكانت مجالسه تجمع الأدباء والصحفيين والمثقفين، ويدور الحوار فيها حول الأدب والتاريخ والتراث وقضايا المجتمع، في أجواء يغلب عليها الود والاحترام.
ويروي كثير ممن عرفوه أنه كان يمتلك ذاكرة استثنائية، يستحضر بها أسماء الأشخاص، وتفاصيل الأماكن، والوقائع القديمة، وكأنه يعيشها من جديد.
ولم يكن يبخل بما يعرفه على الباحثين أو الشباب، بل كان يقدم لهم المعلومة بكل رحابة صدر، مؤمنا بأن الثقافة رسالة لا تكتمل إلا بالمشاركة.
وكانت مكتبته الخاصة تمثل عالمه المفضل، وضمت مراجع تاريخية وأدبية واجتماعية نادرة، جمعها على امتداد سنوات طويلة، وأصبحت معينا دائما له في أبحاثه وكتاباته.
وكانت علاقته بأسرته مثالا للتوازن بين الحياة الخاصة والعمل الثقافي؛ فقد تزوج من السيدة خيرية عبد الحميد منصور، ورزق بثلاث بنات هن: غنوة، وسوسن، وسماح، وظل حريصا على أن يمنح أسرته ما تستحقه من اهتمام، ورغم انشغاله بالكتابة والبحث، كان يعتز بهن ويتباهى على الدوام بلقب (أبو البنات).
ولأنه عاش قريبا من الناس، جاءت كتاباته معبرة عن همومهم وتطلعاتهم، بعيدة عن التعقيد أو التعالي، فالكاتب الحقيقي في نظره لا ينفصل عن مجتمعه، وإنما يصغي إليه، ويقرأ تحولاته، ويحاول أن يقدم رؤية تسهم في فهم الواقع، لا في مجرد وصفه.
ومن يتأمل مقالاته يلاحظ أنها تتجاوز حدود المعلومة أو التعليق لتصبح مساحة للتأمل في الإنسان والمكان والزمان، مستندة إلى قدرته الخاصة على تحويل المواقف اليومية إلى نصوص أدبية تحمل دلالات أعمق، وتدعو القارئ إلى التفكير في قيمة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة.
وقد نال احترام الوسط الثقافي؛ ليس بسبب كثرة مؤلفاته فقط، وإنما أيضا بسبب حضوره الأخلاقي، فلم يُعرف عنه الدخول في المهاترات أو الخصومات، وكان يفضل أن يرد على الاختلاف بالحجة، وعلى الإساءة بالصمت، وعلى الجدل بالإنتاج الثقافي.
وفي سنواته الأخيرة، واجه المرض بصبر وإيمان، ولم يمنعه من مواصلة الكتابة كلما سنحت له الفرصة، ورغم قسوة المرض، ظل يستقبل زواره بابتسامته المعهودة، ورافقته زوجته طوال رحلة علاجه حتى لحظاته الأخيرة، وأكدت أنه واجه المرض بقلب مطمئن ونفس راضية.
ومن المفارقات التي تستحق الذكر أن روايته (مقام حجاز) صدرت قبل وفاته بنحو شهر، فكأنها كانت آخر هدية أدبية تركها لقرائه، لتختتم مسيرة حافلة بالإبداع، وتؤكد أنه ظل وفيا للكلمة حتى آخر أيام حياته.
وفي صباح يوم الجمعة 8 أبريل 2011، الموافق 4 جمادى الأولى 1432هـ، أسلم الروح في العاصمة البريطانية لندن، لينتهي مشوار امتد لعقود في خدمة الأدب والصحافة والثقافة السعودية.
وشكل رحيله خسارة كبيرة للوسط الأدبي والصحفي، ونعاه المثقفون والإعلاميون، وأكدوا أن المملكة فقدت أحد أبرز كتّابها، وأن جدة فقدت واحدا من أكثر أبنائها وفاء لذاكرتها وتاريخها، كما أجمع أصدقاؤه على أنه ترك أثرا إنسانيا لا يقل عن أثر كتبه ومقالاته.
ونقل جثمانه إلى جدة، وصلي عليه بعد صلاة الظهر في مسجد الجفالي، ثم وري جثمانه الثرى في مقبرة حواء، وسط حضور كبير من أفراد أسرته وأصدقائه، إلى جانب عدد من الأدباء والإعلاميين والمثقفين ومحبيه، الذين ودعوا إنسانا وأديبا وكاتبا صحفيا ترك بصمة لا تنسى في الثقافة السعودية.
واليوم، وبعد سنوات على رحيله، ما تزال كتبه تُقرأ، ومقالاته تُستعاد، وأفكاره تحضر في كل حديث عن تاريخ جدة وتحولاتها الاجتماعية.
فقد أدرك محمد صادق دياب مبكرا أن المدن لا تحفظها المباني وحدها، وإنما يحفظها أبناؤها الذين يكتبون عنها بصدق، ويصونون ذاكرتها من النسيان.
لذلك لم يكن مشروعه الأدبي بحثا عن الشهرة، وإنما إيمانا بأن الكتابة مسؤولية وحفظ التراث واجب، فبقي اسمه حاضرا بعد رحيله، وأصبحت مؤلفاته جزءا من الذاكرة الثقافية للمملكة، ومرجعا لكل من أراد أن يقرأ جدة بعين عاشق، وقلم باحث، وضمير مؤرخ.
وبقي أديبنا الراحل اسما يتجاوز حدود الصحافة والأدب، ليصبح رمزا للكاتب الذي جمع بين الثقافة والإنسانية، والبحث والإبداع، والوفاء للماضي والإيمان بالمستقبل.
وسيظل حضوره ممتدا في ذاكرة الوطن، وفي ذاكرة جدة على وجه الخصوص؛ لأن من يكتب عن مدننا بمحبة، تظل مدننا تحفظ اسمه بمحبة أكبر.
فرحم الله الدكتور محمد صادق دياب، الذي كان يرفض أن يسبق اسمه هذا اللقب الأكاديمي في حياته، ونضعه اليوم أمام اسمه بعد رحيله، ليعرف هذا الجيل كيف كان يتواضع الكبار، الذين جعلوا أعمالهم تتحدث عنهم، لا حروف الدال.



