كُتاب الرأي

إيران… السلام معها أغلى من الحرب عليه

إيران… السلام معها أغلى من الحرب عليه

هناك أنظمة تدخل الحروب لتنتصر، وهناك أنظمة تدخل المفاوضات لتكمل ما عجزت الحروب عن تحقيقه.

والنظام الإيراني، كما أراه من خلال مسيرته منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فهو لا ينظر إلى السلام باعتباره نهاية للصراع، بل يعتبره محطة لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة التموضع، واستعادة الأنفاس، حتى تأتي لحظة جديدة يواصل فيها المشروع نفسه بأدوات مختلفة.

لقد كتبت قبل أسابيع مقالًا بعنوان “إيران… حين يتحول الدين إلى غطاء سياسي ومشروع فوضى”، وقلت فيه إن المشكلة ليست في الشعب الإيراني، بل في مشروع سياسي استخدم الخطاب الديني ليمنح نفسه شرعية تتجاوز حدود الدولة، وليبرر تدخلاته خارج حدوده.

واليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من تطورات، أجد أن الوقائع لم تُغيّر تلك القراءة، بل عززتها.

لقد أثبتت التجربة أن النظام في طهران لا يفصل بين العقيدة والسياسة، ولا بين الدين والجغرافيا، ولا بين الشعارات والمصالح. فعندما تتحول الأيديولوجيا إلى مشروع دولة، تصبح الحدود السياسية مجرد خطوط مؤقتة، وتصبح سيادة الدول الأخرى قابلة للتجاوز متى ما اقتضت “المصلحة الثورية” أو “الواجب العقائدي” وفق رؤية النظام.

ولهذا فإن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأن المشكلة بين العرب وإيران هي مجرد خلاف سياسي قابل للحل عبر جولات تفاوض متكررة.

المشكلة أعمق من ذلك.

إنها تتعلق بطبيعة المشروع نفسه.

فالمشروع الذي يرى أن نفوذه يجب أن يمتد خارج حدوده، وأن له حقًا في التأثير على القرار العربي عبر وكلاء محليين أو أدوات عسكرية أو خطاب تعبوي، لن يتغير بمجرد توقيع اتفاق أو إعلان هدنة.

ولذلك قلت في مقالي السابق إن أخطر خدعة مارسها النظام الإيراني كانت استخدامه للاسم.

فليس كل من يرفع راية الإسلام يمثل الإسلام.

وليس كل من يصف نفسه بأنه “جمهورية إسلامية” يكون مشروعه إسلاميًا في ممارساته.

ولهذا شبّهت هذا التناقض بما أسميته “مياه الصرف الصحي”.

فكما أن مياه الصرف لا تصبح مياهًا صحية لمجرد وجود كلمة “الصحية” في اسمها، فإن أي نظام لا يصبح ممثلًا لقيم الإسلام لمجرد أنه يرفع شعار الإسلام.

فالإسلام لا يجيز تحويل الدين إلى أداة للتوسع السياسي.

ولا يجعل من الطائفية وسيلة لبناء النفوذ.

ولا يشرعن إنشاء المليشيات على حساب الدولة.

ولا يجعل من إطالة الحروب وسيلة لتحقيق المكاسب.

إن الإسلام الذي نعرفه دين بناءٍ للدول، لا هدمٍ لها.

ودين استقرار، لا فوضى.

ودين عدل، لا هيمنة.

ودين يحفظ الدماء، لا يجعلها وقودًا لمعارك النفوذ.

ولذلك فإن ما يقلقني اليوم ليس الحرب الأخيرة بحد ذاتها، وإنما ما بعدها.

فكثيرون يظنون أن الهدوء يعني انتهاء المشروع.

وهذا، في تقديري، قراءة قاصرة للتاريخ.

إن المشروع الإيراني لم يتراجع يومًا لأنه غيّر قناعته، وإنما لأنه احتاج إلى تغيير أدواته.

ولهذا فإن أي سلام لا يقوم على ردعٍ حقيقي، واحترامٍ كامل لسيادة الدول، ووقف التدخلات، وتفكيك أدوات النفوذ العسكري خارج الحدود، سيظل سلامًا هشًا يمكن أن ينهار مع أول تغير في موازين القوى.

ومن هنا، فإن الخلافات العربية العربية، مهما بلغت، يجب ألا تتحول إلى فرصة يستفيد منها أي مشروع خارجي.

إن أمن الخليج ليس شأنًا خليجيًا فحسب، بل هو ركيزة من ركائز الأمن العربي.

وأي تهديد له ستكون آثاره أوسع من حدود دولة أو دولتين.

كما أن الجنوب العربي والمقصود هنا هو جنوب الحزيره العربيه، بموقعه الجغرافي المطل على أهم الممرات البحرية في العالم، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن منظومة الأمن الإقليمي، فاستقراره جزء من استقرار المنطقة، وأي فراغ فيه يمنح القوى الإقليمية مساحة أوسع للمنافسة والنفوذ.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تخسر سيادتها في يوم واحد، بل تخسرها عندما تستهين بالمشاريع التي تعلن أهدافًا، بينما تعمل على أهداف أخرى.

ولهذا فإن التعامل مع إيران يجب أن يكون مبنيًا على قراءة دقيقة لسلوكها خلال العقود الماضية، لا على الأمنيات، ولا على حسن الظن، ولا على الاعتقاد بأن تغيير الأسلوب يعني تغيير المشروع.

فالسلام الحقيقي لا يقوم على الشعارات.

بل يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، والتخلي عن سياسة الوكلاء، والالتزام الصادق بحسن الجوار.

وحتى يتحقق ذلك، ستظل المنطقة مطالبة باليقظة، وبوحدة الموقف، وببناء قوة الردع، لأن التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يجامل من يقرأ خصومه بعين الأمنيات.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
10 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.