حين اتحد الخصوم…

حين اتحد الخصوم…
بقيت حضرموت وحدها في مواجهة الجميع!
المشهد لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل، بل إلى قليلٍ من الصراحة. فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت الصورة وضوحًا: الخصومات المعلنة شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر. وحين يتعلق الأمر بحضرموت، تسقط الشعارات، وتتقاطع المصالح، ويصبح المختلفون حلفاء في هدفٍ واحد؛ ألا تمتلك حضرموت قرارها، وألا تدير أرضها، وألا تتحول إلى نموذج يغيّر معادلة المنطقة.
لقد عاش الجنوب سنوات طويلة تحت نفوذ قوى سياسية وعسكرية مختلفة، ثم جاءت الحرب لتولد واقعًا جديدًا، لكن النتيجة بقيت واحدة؛ صراعٌ تبدلت فيه الأسماء، بينما بقي المواطن يدفع الثمن. واليوم يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، إذ تتصارع المشاريع في العلن، لكنها تلتقي كلما اقترب الحديث عن منح حضرموت حقها في إدارة شؤونها وصناعة مستقبلها.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالقوى التي تختلف في كل الملفات، وتتنازع في كل الجبهات، تجد نفسها متوافقة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عندما يتعلق الأمر بمنع حضرموت من امتلاك قرارها المستقل. وكأن استقلال إرادة حضرموت هو الخط الأحمر الذي لا يُسمح بتجاوزه.
ولم تعد القضية، في نظر كثيرين، مجرد معركة بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى شبكة مصالح معقدة، يحقق فيها كل طرف مكاسب من استمرار الأزمة. فالسلطة المؤقتة، والقوة العسكرية، والتمويل، والمفاوضات، والتمثيل السياسي، جميعها أصبحت مرتبطة ببقاء الصراع أكثر من ارتباطها بإنهائه.
ولهذا لم تعد الحرب تُدار بعقلية الحسم، وإنما بعقلية إدارة الأزمة. فلا سلام يكتمل، ولا حرب تُحسم، ولا دولة تُبنى، لأن بقاء المشهد معلقًا أصبح أكثر فائدة لكثير من اللاعبين من الوصول إلى حل نهائي.
أما حضرموت، فهي تدفع ثمن هذه المعادلة أكثر من غيرها. فهي تمتلك الموقع، والثروة، والعمق التاريخي، والإمكانات الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت ساحة تتقاطع عندها حسابات الجميع. ولهذا فإن مستقبلها لا ينبغي أن يبقى رهينة لمشاريع الآخرين، بل يجب أن ينطلق من حق أبنائها في إدارة شؤونهم بأنفسهم، وفق مؤسسات نظامية تحفظ الأمن والاستقرار.
ومن هنا يبرز الدور السعودي بوصفه العامل الأكثر قدرة على صناعة تحول حقيقي في المنطقة. فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد طرف مؤثر، بل ترتبط بحضرموت بروابط التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية، واستقرار حضرموت ينعكس مباشرة على أمن المملكة واستقرار الإقليم بأكمله.
ولذلك، فإن دعم المملكة لتمكين حضرموت من إدارة شؤونها، وتعزيز مؤسساتها المحلية، ليس انحيازًا لطرف على حساب آخر، بل خطوة يمكن أن تؤسس لاستقرار مستدام يخدم الجميع. ويبدأ ذلك بترسيخ مؤسسات أمنية وعسكرية وإدارية قوامها أبناء حضرموت أنفسهم، تعمل وفق القانون، وتحمي الأرض والإنسان، بعيدًا عن تعدد الولاءات وتضارب مراكز النفوذ.
وعندما تمتلك حضرموت أمنها، وتدير مواردها بكفاءة، وتبني مؤسساتها على أسس راسخة، فإنها لن تحقق الاستقرار لنفسها فحسب، بل قد تقدم نموذجًا ناجحًا يُحتذى به في بقية المناطق، ويثبت أن التنمية والأمن لا يفرضان بالقوة، وإنما يصنعهما تمكين المجتمع المحلي وبناء المؤسسات.
لقد آن الأوان لطرح السؤال الذي يتجنبه الجميع: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الحرب؟
فكلما امتدت سنوات الصراع، بقيت الامتيازات السياسية، واستمرت مراكز النفوذ، وتدفقت الأموال، وتجددت شرعيات الأمر الواقع. ولهذا يبدو أن كثيرًا من القوى لا تخوض معركة لإنهاء الأزمة، بل معركة للإبقاء عليها، لأن انتهاءها يعني انتهاء المكاسب التي نشأت في ظلها.
إن القضية لم تعد، في نظر كثير من المراقبين، مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى سوق مفتوحة للمساومات والوساطات والتجاذبات السياسية، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، وتبقى حضرموت مطالبةً بدفع فاتورة صراع لم تصنعه.
ويبقى الأمل في أن تنتصر الحكمة على المصالح الضيقة، وأن تُمنح حضرموت الفرصة لتكون نموذجًا للاستقرار والبناء، لا ساحةً لتقاطع المشاريع. فالدول تُبنى عندما تُحترم إرادة أهلها، لا عندما تتحول أوطانها إلى أوراق تفاوض على موائد السياسة.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
26 يونيو 2026

