كُتاب الرأي

اتفاق الطرشان بين أمريكا وإيران

اتفاق الطرشان بين أمريكا وإيران

هدنة مؤقتة أم انفجار مؤجل

في كل مرة تقترب فيها الولايات المتحدة وإيران من طاولة التفاوض، يتكرر المشهد ذاته: تصريحات متفائلة من الجانبين، رسائل متناقضة، ووعود كبيرة لا تلبث أن تصطدم بواقع المصالح المتعارضة. وبينما يتحدث كل طرف عن “اختراق تاريخي”، تبدو الحقيقة أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ”اتفاق الطرشان”؛ اتفاق يسمع فيه كل طرف ما يريد سماعه، ويُفسر البنود بما يخدم أهدافه الخاصة.

فهل نحن أمام اتفاق حقيقي يعيد تشكيل المنطقة، أم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم؟

أمريكا.. منع القنبلة دون حرب جديدة

تدرك واشنطن أن الخيار العسكري ضد إيران يحمل تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة، خصوصًا في ظل حساسية أسواق الطاقة والملاحة الدولية.

لذلك، تركز الإدارة الأمريكية على ثلاثة أهداف رئيسية:

* منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
* ضمان أمن الملاحة الدولية، خاصة في مضيق هرمز.
* تجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة.

لكن الولايات المتحدة تدرك أيضًا أن سياسة “الضغوط القصوى” لم تنجح في تغيير سلوك إيران بشكل جذري، وأن الحل الدبلوماسي ــ رغم عيوبه ــ قد يكون أقل تكلفة من المواجهة المفتوحة.

إيران.. رفع العقوبات مع الاحتفاظ بأوراق القوة

على الجانب الآخر، تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات، وتحتاج بشكل عاجل إلى زيادة صادراتها النفطية وتحسين أوضاعها المالية.

ومع ذلك، فإن طهران لا تبدو مستعدة للتخلي عن أهم أوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها:

* برنامجها النووي.
* نفوذها الإقليمي.
* شبكة حلفائها ووكلائها في المنطقة.

ومن هنا، تسعى إيران إلى تحقيق معادلة معقدة: الحصول على مكاسب اقتصادية ملموسة دون تقديم تنازلات جوهرية تمس نفوذها أو قدراتها الاستراتيجية.

جوهر الخلاف.. اليورانيوم والضمانات

العقدة الحقيقية ليست في التصريحات السياسية، بل في التفاصيل الفنية.

فالسؤال الذي لم يجد إجابة واضحة حتى الآن هو:

من يضمن ألا يتحول البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج عسكري؟

واشنطن تطالب برقابة دولية صارمة وآليات تحقق دائمة، بينما ترفض طهران أي إجراءات تعتبرها مساسًا بسيادتها.

وفي المقابل، تخشى إيران من تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقات السابقة، ما يدفعها للمطالبة بضمانات يصعب على أي إدارة أمريكية تقديمها.

وهنا تتجسد معضلة “اتفاق الطرشان”: كل طرف يطالب بضمانات لا يستطيع الطرف الآخر تقديمها.

لماذا قد ينجح الاتفاق؟

هناك عوامل تدفع نحو التهدئة، أبرزها:

* رغبة أمريكية في تجنب حرب جديدة.
* حاجة إيران الماسة لتخفيف العقوبات.
* ضغوط دولية للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة.
* مخاوف إقليمية من توسع دائرة الصراع.

ولماذا قد يفشل؟

في المقابل، هناك عقبات كبيرة قد تُفشل أي اتفاق، منها:

* انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين.
* الخلاف حول حجم ونوع الرقابة الدولية.
* رفض أطراف إقليمية لأي اتفاق لا يضع قيودًا صارمة على إيران.
* تغير الإدارات السياسية في واشنطن وما يرافقه من تغير في السياسات.

السيناريو الأقرب

الأرجح أننا لن نشهد اتفاقًا نهائيًا وشاملًا، بل تفاهمات مرحلية ومؤقتة تمنح كل طرف ما يحتاجه في الوقت الراهن.

ستحصل إيران على متنفس اقتصادي محدود، بينما ستحصل واشنطن على تهدئة مؤقتة للملف النووي.

لكن جذور الأزمة ستبقى قائمة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيتحقق الاتفاق؟

بل: إلى متى سيصمد؟

فالتاريخ بين واشنطن وطهران يخبرنا أن المشكلة لم تكن يومًا في توقيع الاتفاقات، بل في القدرة على الالتزام بها.

وقد يكون الوصف الأدق للمشهد الحالي أن الطرفين لا يبحثان عن حل نهائي، بل عن إدارة مؤقتة للأزمة.

وهذا تحديدًا هو معنى “اتفاق الطرشان”.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
17 يونيو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.