كُتاب الرأي

ليس سقوط إيران… بل ولادة الشرق الأوسط الجديد

ليس سقوط إيران… بل ولادة الشرق الأوسط الجديد

لطالما كانت المقارنات السياسية مغرية، لكنها كثيرًا ما تكون مضللة. فمنذ اندلاع الأزمات في المنطقة، سارع كثيرون إلى مقارنة ما يحدث في إيران اليوم بما جرى في العراق عام 2003، أو ليبيا عام 2011، أو حتى سوريا لاحقًا. إلا أن هذه المقارنات، رغم تشابه بعض المظاهر، قد تخطئ في فهم جوهر المرحلة.

إيران ليست العراق، وليست ليبيا، وليست سوريا.

ففي العراق كان الهدف إسقاط النظام، وفي ليبيا كان الانهيار شاملاً لمؤسسات الدولة، أما في إيران فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا؛ إذ إن التحدي لا يكمن فقط في بقاء النظام أو رحيله، وإنما في قدرة مؤسسات الدولة على الاستمرار في إدارة السلطة واتخاذ القرار وسط ضغوط غير مسبوقة.

وهنا يكمن الفارق الكبير.

فالمنطقة اليوم لا تعيش مجرد صراع مع إيران، بل تعيش نهاية مرحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، تشكل خلالها المشروع الإيراني أحد أهم عناصر توازنات الشرق الأوسط، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حوله.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل ستتغير إيران؟

بل أصبح:
ماذا سيأتي بعد إيران إذا فقدت قدرتها على لعب دورها الإقليمي؟

الإجابة عن هذا السؤال قد تحمل مفتاح فهم الشرق الأوسط القادم.

إن إعادة رسم خرائط النفوذ لا تبدأ بالخرائط الجغرافية، بل تبدأ بتغيير موازين القوة، وإعادة تشكيل مراكز القرار، وبناء منظومة إقليمية جديدة تختلف جذريًا عما عرفناه منذ عام 1979.

وربما يكون ما نشهده اليوم هو اقتراب إسدال الستار على آخر العوائق الكبرى أمام ولادة شرق أوسط جديد، تتغير فيه التحالفات، ومسارات التجارة، ومراكز الطاقة، ومفاهيم الأمن الإقليمي.

غير أن التحولات الكبرى لا تُقاس فقط بما يسقط، بل بما يُبنى بعد السقوط.

وهنا يبرز العامل السعودي.

فالمملكة العربية السعودية لم تتعامل مع المتغيرات بعقلية ردود الأفعال، بل بنت خلال السنوات الماضية مشروعًا طويل المدى يقوم على تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستقرار، وبناء شراكات دولية متوازنة، وإعادة صياغة موقعها الجيوسياسي، بالتوازي مع سياسة خارجية تتسم بالحكمة والهدوء والقدرة على إدارة التوازنات.

لقد أدركت الرياض مبكرًا أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة، ولذلك عملت على أن تكون جزءًا من صناعة المستقبل، لا مجرد متلقية لنتائجه.

ومن هنا، فإن أي قراءة للمشهد الإيراني بمعزل عن الدور السعودي ستكون قراءة ناقصة.

فالسعودية لم تكن تنتظر نهاية أزمة حتى تبدأ التفكير بما بعدها، بل كانت تستعد منذ سنوات لمرحلة ما بعد الأزمات، واضعةً الاستقرار والتنمية في قلب رؤيتها السياسية والاقتصادية.

ولهذا، فإن ما يحدث في إيران اليوم لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكرارًا لتجارب العراق أو ليبيا، بل باعتباره محطة مفصلية في انتقال المنطقة من نظام إقليمي إلى آخر.

ويبقى السؤال الأكبر:

هل نحن أمام نهاية دولة؟

أم أننا أمام نهاية حقبة كاملة، تُطوى معها صفحة، وتبدأ أخرى سيكون عنوانها إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة؟

الأيام وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن من يقرأ الأحداث بعين الأمس، قد يفوته فهم الغد.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
23 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.