كُتاب الرأي

الحوثي يحتاج الحرب…

الحوثي يحتاج الحرب…

والشرعية تحتاج الحوثي

إذا انتهت الحرب… انتهت الوظيفة التي صنعتها الحرب

هناك سؤال تجنب كثيرون طرحه طوال ما يقارب اثني عشر عامًا من حرب اليمن:

ماذا لو لم يعد استمرار الحرب مجرد نتيجة لفشل الأطراف في الوصول إلى السلام، بل أصبح استمرارها نفسه مصلحة لبعض القوى التي صنعت الحرب أو صنعتها الحرب؟

وبصيغة أكثر وضوحًا:

الحوثي يحتاج إلى استمرار الحرب ليحتفظ بمبررات سلاحه ومشروعه، وشبكات واسعة داخل ما يسمى بالشرعية تحتاج إلى استمرار الحرب لتحتفظ بمبررات وجودها ونفوذها ومناصبها.

لا يعني ذلك وجود اتفاق سري بين الطرفين. فالمشكلة أخطر من المؤامرة المباشرة: إنها علاقة مصالح متبادلة بين خصمين؛ كل طرف يمنح الآخر سببًا للاستمرار.

في مقالنا «اليمن.. من يعطّل الحسم؟» بتاريخ 7 سبتمبر 2026، قلنا إن الحرب انتقلت تدريجيًا من هدف «استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب» إلى إدارة الأزمة عبر التهدئة وخفض التصعيد والمفاوضات وخرائط الطريق.

وقلنا إن هذه الأدوات، إذا لم تؤد إلى حل، تتحول من أدوات لإنهاء الحرب إلى أدوات لإدارتها.

واليوم نذهب أبعد من ذلك:

إدارة الحرب لسنوات طويلة خلقت طبقة سياسية وعسكرية واقتصادية أصبح جزء من مصالحها مرتبطًا باستمرارها.

الحرب الطويلة لا تنتج قتلى ودمارًا فقط. إنها تنتج كذلك مناصب، وميزانيات، وقيادات، وشبكات تمويل، واقتصادًا موازيًا، ومؤسسات استثنائية. وبعد سنوات يصبح تفكيك مصالح الحرب أصعب أحيانًا من إيقاف المدافع.

الحوثي… جماعة تحتاج إلى عدو دائم

في مقال «الحوثي.. انقلاب يُكافأ» بتاريخ 7 سبتمبر 2026، قلنا إن أهم ما حققه الحوثي لم يكن فقط السيطرة على صنعاء، بل تغيير السؤال من:

كيف ينتهي الانقلاب؟

إلى:

كيف ندخل الحوثي في التسوية؟

الزمن عمل لمصلحته. كل سنة يحتفظ فيها بالسلاح والأرض ومؤسسات الأمر الواقع تجعل وجوده أكثر رسوخًا.

لكن الحرب بالنسبة للحوثي ليست فقط وسيلة للوصول إلى السلطة؛ بل أصبحت جزءًا من آلية الحفاظ عليها.

فالجماعة المسلحة العقائدية تحتاج إلى حالة تعبئة دائمة، وعدو دائم، وخطاب حصار ومؤامرة، ومبرر للسلاح والاستثناء الأمني.

طالما الحرب قائمة يستطيع الحوثي أن يقول لجمهوره:

هناك عدوان، وهناك خطر، ولذلك نحتاج إلى السلاح والتعبئة والطاعة.

لكن إذا تحقق سلام حقيقي، ستبدأ الأسئلة الأصعب:

لماذا الصواريخ؟

لماذا الطائرات المسيّرة؟

لماذا جيش مستقل؟

لماذا قرار عسكري خارج الدولة؟

ولماذا تبقى جماعة واحدة فوق المؤسسات؟

ولهذا طرحنا سابقًا السؤال الأهم:

أين ستكون الصواريخ في اليوم التالي للسلام؟ ومن سيمتلك قرار إطلاقها؟

إذا لم توجد إجابة واضحة، فالسلام ليس سلامًا؛ بل هدنة تؤجل الحرب القادمة.

وماذا عن الشرعية؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

لسنا نقول إن كل مسؤول داخل الحكومة اليمنية يريد استمرار الحرب، ولا إن كل من يعمل ضمن معسكر الشرعية مستفيد منها.

لكن السياسة لا تُحلل بالنوايا الفردية، بل بالحوافز والمصالح.

بعد اثني عشر عامًا من الحرب، نشأت شبكات سياسية وعسكرية وإدارية تستمد وجودها من الحالة الاستثنائية نفسها.

فما الذي سيحدث إذا انتهى الحوثي غدًا؟

ستصبح الحكومة مطالبة بأن تحكم فعليًا.

أن توفر الكهرباء.

أن تدفع الرواتب.

أن توحد الجيش.

أن تضبط المنافذ.

أن تدير الإيرادات.

أن توقف الفساد.

أن تعيد المؤسسات.

وأن تجيب عن السؤال الذي تأجل طويلًا:

ماذا أنجزتم خلال سنوات الحرب؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

الحوثي عدو الشرعية، لكنه في الوقت ذاته أحد أهم مبررات استمرارها بصورتها الحالية.

فالحرب تسمح دائمًا بتأجيل المحاسبة.

الحوثي شماعة… ولكن إلى متى؟

لا شك أن الحوثي يتحمل مسؤولية أساسية عن الكارثة اليمنية.

لكن لا يجوز أن تصبح كلمة «الحوثي» عذرًا أبديًا للفشل.

بعد كل هذه السنوات يجب أن يسأل المعسكر المناهض له:

ماذا فعلتم بالمناطق التي لم يسيطر عليها الحوثي؟

كان يمكن أن يكون أقوى سلاح ضد الحوثي هو تقديم نموذج دولة ناجحة في عدن والمكلا ومأرب وتعز.

نموذج يقول للمواطن في صنعاء:

هذه هي الدولة البديلة.

لكن عندما يرى المواطن صراعًا بين القوى، وتعددًا في الجيوش، وضعفًا في الخدمات، وانهيارًا اقتصاديًا، فإن خصوم الحوثي يقدمون له خدمة مجانية.

هنا يلتقي الخصمان

الحوثي والشرعية ليسا حليفين.

لكنهما أصبحا، موضوعيًا، محتاجين إلى بعضهما في جوانب أساسية.

الحوثي يحتاج إلى «العدوان» ليبرر سلاحه.

وبعض شبكات الشرعية تحتاج إلى «الانقلاب» لتبرر استمرار الحالة الاستثنائية.

الحوثي يبرر السلاح بوجود خصومه.

والطرف الآخر يبرر العجز بوجود الحوثي.

وهكذا يصبح لدينا أخطر شكل من أشكال التوازن:

عدوّان يتقاتلان، لكن استمرار أحدهما يمنح الآخر مبررًا للبقاء.

لا حرب تحسم… ولا سلام يحاسب

وقد تكون الحالة الأكثر راحة للمستفيدين ليست الحرب الشاملة ولا السلام الشامل.

الحرب الشاملة قد تنتهي بهزيمة أحدهم.

والسلام الشامل قد يفتح باب المحاسبة.

أما الوضع المثالي فهو:

جبهات شبه مجمدة.

مفاوضات مستمرة.

وفود تتحرك.

مبادرات جديدة.

أزمات تتكرر.

تمويل يستمر.

ومناصب تبقى.

إنها حالة:

لا حرب تحسم… ولا سلام يحاسب.

وهذا يفسر جانبًا مهمًا من طول الحرب اليمنية.

الشعرة التي قصمت الحوثي

وفي مقالنا «الشعرة التي قصمت الحوثي» بتاريخ 8 سبتمبر 2026، قلنا إن السؤال لم يكن يومًا: هل تستطيع السعودية ضرب الحوثي؟

بل:

ما الثمن السياسي والإنساني والدولي للحسم؟ وماذا سيأتي بعد الحوثي؟

وقلنا إن المملكة منحت الاحتواء والتهدئة والتفاوض فرصًا طويلة.

لكن السؤال اليوم أصبح أكثر حدة:

إذا لم يؤدِ الاحتواء إلى إنهاء الخطر، فما جدوى إبقاء مصدر الخطر قائمًا؟

والسؤال نفسه ينطبق على كل أطراف الحرب.

إذا كانت التسوية القادمة ستُبقي الحوثي مسلحًا، وتُبقي القوى الأخرى بجيوشها ومراكز نفوذها واقتصاداتها المستقلة، فما الذي انتهى؟

سيكون إطلاق النار قد توقف.

لكن أسباب الحرب ستبقى داخل الدولة.

السعودية ليست مطالبة بتمويل الفشل إلى الأبد

من زاوية سعودية، يجب أن تتغير المعادلة.

السعودية قدمت دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا هائلًا.

لكن من غير المنطقي أن تكون المملكة أكثر حرصًا على الدولة اليمنية من بعض من يفترض أنهم يمثلونها.

ومن حقها أن تسأل:

أين الدولة؟

أين الجيش الموحد؟

أين المؤسسات؟

أين الإيرادات؟

وأين نتيجة كل هذا الدعم؟

الدعم يجب أن يكون مرتبطًا بالإنجاز والمحاسبة، لا باستمرار العجز.

وحضرموت ليست فاتورة سلام

وفي مقال «حضرموت ليست غنيمة» بتاريخ 7 سبتمبر 2026، حذرنا من أن تتحول التسوية القادمة إلى صفقة بين القوى المسلحة يُدفع ثمنها من أرض ومصالح الآخرين.

إذا كانت نهاية الحرب ستعني توزيع اليمن وفق الأوزان التي صنعتها البنادق، فهذه ليست دولة جديدة؛ إنها إعادة توزيع للغنائم.

وحضرموت لا يجوز أن تكون تعويضًا لأحد، ولا بندًا في صفقة بين صنعاء وعدن، ولا خزينة لإنقاذ نظام سياسي فاشل.

الخلاصة

بعد ما يقارب اثني عشر عامًا، يمكن تلخيص المأساة اليمنية في معادلة قاسية:

الحوثي يحتاج إلى الشرعية ليبرر سلاحه، وبعض شبكات الشرعية تحتاج إلى الحوثي لتبرر بقاءها.

بالنسبة للشعب، السلام خلاص.

وبالنسبة للاقتصاد، هو بداية التعافي.

وبالنسبة للسعودية، هو نهاية مصدر استنزاف وتهديد مزمن.

لكن بالنسبة لمن صنعتهم الحرب وأعطتهم مناصب ونفوذًا وأموالًا، فإن السلام قد يعني نهاية أدوارهم.

ولهذا لا يكفي أن نقول:

أوقفوا الحرب.

بل يجب أن نقول:

أوقفوا النظام الذي جعل استمرار الحرب مربحًا.

وفي 7 سبتمبر 2026 سألنا:

هل يريد المجتمع الدولي فعلًا إنهاء الحرب، أم يريد فقط إبقاءها تحت السيطرة؟

واليوم نضيف السؤال الأصعب:

وهل يريد أطراف الحرب أنفسهم أن تنتهي؟

لأن اليوم الذي تنتهي فيه الحرب فعليًا لن يكون فقط يوم إسكات المدافع.

سيكون يوم الدولة.

ويوم المحاسبة.

وربما يكون أيضًا…

آخر يوم سياسي لكثير ممن صنعتهم الحرب.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
14 سبتمبر 2026م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.