كُتاب الرأي

صنعاء ليست هدفهم

صنعاء ليست هدفهم

بعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد السؤال: لماذا لم تتحرر صنعاء؟

السؤال الأخطر هو:

هل كان الذين سلّحهم التحالف يريدون تحرير صنعاء أصلًا؟

هنا تكمن الخديعة الكبرى.

بُنيت الاستراتيجية طوال سنوات على افتراض أن القوى الشمالية المناوئة للحوثي ستقاتله حتى تستعيد صنعاء. فدُفعت المليارات، وشُكّلت الألوية، وقُدّمت المدرعات والأسلحة والذخائر، وصُنعت قيادات جديدة، وأُعيد تدوير قيادات قديمة.

والنتيجة؟

الحوثي ما زال في صنعاء!

فأين ذهبت كل تلك الجيوش؟

وأين البنادق التي كان يُفترض أن تتجه شمالًا؟

وكم منها ظل ينتظر معركة أخرى في الجنوب وحضرموت؟

صنعاء ليست أولوية الجميع

هذه هي الحقيقة التي يجب أن يواجهها التحالف.

ليس كل من يرفع شعار (استعادة الدولة) مستعدًا فعلًا لدفع ثمن استعادة صنعاء.

هناك من قاتل الحوثي وقدّم التضحيات، وهذا لا يمكن إنكاره، لكن سلوك قطاعات من القوى والنخب الشمالية يطرح سؤالًا خطيرًا:

هل يعتبر هؤلاء بقاء الشمال تحت سلطة قوة شمالية، مهما اختلفوا معها، أقل خطرًا من خروج الجنوب وحضرموت نهائيًا من دائرة نفوذهم؟

إذا كان الجواب نعم، فسوف نفهم كثيرًا من ألغاز هذه الحرب.

سنفهم لماذا تستطيع جبهات أن تبقى ساكنة سنوات أمام الحوثي، بينما ترتفع فجأة أصوات التعبئة عندما يتعلق الأمر بالجنوب أو حضرموت.

وسنفهم لماذا لا يكفي أن تمنح شخصًا السلاح لكي يصبح هدفه هو هدفك.

فالسلاح لا يغيّر العقيدة.

أعطيتموهم السلاح لصنعاء… فأين اتجهت البوصلة؟

كل لواء شكّله التحالف كان يُفترض أن يكون الحوثي عدوه.

وكل مدرعة قُدّمت كان يُفترض أن تتجه إلى الجبهة.

لكن إذا كانت القوة التي تسلّحها ترى أن معركتها المستقبلية الحقيقية هي استعادة النفوذ في الجنوب وحضرموت، فأنت لا تبني جيشًا لتحرير صنعاء.

أنت تموّل حربًا مؤجلة في مكان آخر.

وهذه أخطر من الهزيمة العسكرية.

فالجيش المهزوم يمكن إعادة بنائه.

أما القوة التي لا تعتبر المعركة التي أُنشئت من أجلها معركتها، فلن تغيّر عقيدتها بمزيد من المليارات.

وطارق عفاش… ألم نقلها من قبل؟

لقد قلت سابقًا إن الرهان على طارق عفاش لن ينتج شيئًا مختلفًا عمّن سبقوه.

ولم يكن ذلك موقفًا عاطفيًا.

كانت أمامنا تجربة كاملة.

منظومة تمتلك جيشًا وحرسًا جمهوريًا وألوية وترسانة دولة، وانتهت صنعاء إلى الحوثي، وقُتل علي عبدالله صالح، وخرج طارق من صنعاء.

ثم أُعيد الرجل إلى المشهد.

ألوية جديدة.

أسلحة جديدة.

أموال جديدة.

واسم جديد: (المقاومة الوطنية)!

لكن السؤال الذي طرحته منذ البداية بقي بلا جواب:

كيف يصبح من سقط بالأمس مشروعًا للنصر غدًا لمجرد تغيير اسم القوة التي يقودها؟

ومن خان عمه، وفق قراءتي لما جرى، وهو في قلب منظومة تمتلك كل تلك القوة، لماذا يُفترض أن يكون اليوم عنوانًا للوفاء بمشروع أكبر؟

تغيير الراية لا يغيّر التاريخ.

وتغيير اسم البندقية لا يغيّر عقيدة حاملها.

المشكلة أكبر من طارق

طارق ليس إلا نموذجًا لمشكلة أكبر:

تدوير أدوات الفشل.

يسقط قائد فيُعاد تقديمه.

يفشل حزب فيعود تحت مسمى جديد.

تنهار جبهة فتُضخ فيها أموال إضافية.

ثم ننتظر نتيجة مختلفة!

بعد أكثر من عقد، تكاثرت المجالس والوزارات والرتب والجنرالات، لكن صنعاء بقيت كما هي.

وهنا يجب التمييز بين من يريد تحرير صنعاء، ومن يريد أن يعيش سياسيًا واقتصاديًا على شعار تحرير صنعاء.

فالحرب عند البعض لم تعد معركة يجب إنهاؤها، وإنما أصبحت بيئة نفوذ ومصالح ومال ومناصب.

حضرموت تكشف المستور

وهنا تأتي حضرموت.

لماذا كلما طالب الحضارم بحقهم في تقرير مستقبلهم قيل لهم:

انتظروا حتى تعود الدولة؟

نسأل: أين الدولة؟

في صنعاء.

ومن يحكم صنعاء؟

الحوثي!

ثم يقال للحضرمي:

لا تقرر مستقبلك حتى نستعيد صنعاء!

طيب… متى ستستعيدونها؟

بعد أكثر من عقد، لا جواب.

يريدون من حضرموت أن تبقى رهينة دولة لم يستطيعوا استعادتها، بينما القوى التي يُفترض أنها ستستعيد تلك الدولة تنظر أحيانًا إلى حضرموت والجنوب أكثر مما تنظر إلى صنعاء.

وهنا تصبح المسألة مكشوفة:

هل صنعاء هي الهدف فعلًا، أم إن منع حضرموت والجنوب من تقرير مستقبلهما أصبح عند البعض أهم من استعادة صنعاء؟

الحوثي فهم اللعبة

الحوثي يعرف خصومه جيدًا.

يعرف أن بعضهم يقاتله، وبعضهم ينتظر التسوية، وبعضهم تحكمه مصالحه، وبعضهم ينظر جنوبًا أكثر مما ينظر إلى صعدة.

ولهذا استفاد من الزمن.

كل سنة تمر بلا جبهة موحدة هي انتصار له.

وكل مليار يذهب إلى قوة لا تقاتله هو مكسب له.

وكل صراع بين خصومه معركة كسبها دون أن يطلق رصاصة.

فالحوثي لم ينتصر بقوته وحدها.

لقد ساعده خصومه كثيرًا على البقاء.

لا تسألوا كم لواءً لديه… اسألوا إلى أين سيتجه

إذا أراد التحالف ألا يضيّع عقدًا آخر، فعليه أن يغيّر السؤال.

لا تسألوا القائد:

كم مقاتلًا لديك؟

اسألوه:

إلى أين ستأخذهم؟

لا تسألوه:

كم مدرعة تحتاج؟

اسألوه:

نحو صنعاء أم نحو حضرموت؟

ولا تسألوا كم لواءً يستطيع تشكيله.

اسألوا:

من عدوه الحقيقي؟

فمن يريد الاحتفاظ بجيشه لمشروع سياسي خاص، فليموّله بنفسه.

ومن يريد استخدام السلاح الذي قُدّم لمحاربة الحوثي في صراعات الجنوب أو حضرموت، فليس هذا السلاح حقًا مكتسبًا له.

الحل ليس صناعة طارق جديد، ولا إعادة تدوير قائد آخر سقط مشروعه.

الحل أن ينتهي زمن الجيوش الشخصية المتعددة، وأن تصبح القوة العسكرية في إطار متجانس: قيادة واحدة، وقرار واحد، وغرفة عمليات واحدة، وعدو واضح.

يا ليل ما أطولك!

بعد أكثر من عقد، لم يعد ممكنًا تفسير كل شيء بسوء التقدير.

فإذا سلّحت شخصًا لمعركة لا يعتبرها معركته، ثم انتظرت منه النصر، فالمشكلة ليست في كمية السلاح.

المشكلة في اختيارك للرجل وعقيدته وهدفه.

ولهذا فإن تحرير صنعاء لن يتحقق بإعادة تدوير أدوات الفشل وتعدد الولاءات.

سيبدأ الطريق إليها يوم توجد قوة تعتبر صنعاء معركتها فعلًا، لا شعارًا للحصول على المال والسلاح والنفوذ.

أما أن تظل البنادق تنظر جنوبًا، بينما الحوثي جالس في صنعاء، ثم نسأل كل عام:

متى ستبدأ معركة التحرير؟

فليس أمامنا إلا المثل:

يا ليل ما أطولك!

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم

11 سبتمبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.