بعد كوارث الجبهات..

بعد كوارث الجبهات..
آن للتحالف أن يغيّر قواعد اللعبة
في مقالي السابق قلت إن تحرير اليمن يبدأ من تحرير «الشرعية» أولًا.
واليوم لا أريد تكرار ما قيل عن عجزها وفسادها وصراعاتها؛ فبعد قرابة اثني عشر عامًا أصبحت النتائج على الأرض أبلغ من أي مقال.
لكن كوارث الجبهات تفرض سؤالًا أكبر:
إلى متى يستمر التحالف في استخدام الأدوات نفسها وانتظار نتيجة مختلفة؟
اثنا عشر عامًا مدة كافية لاختبار الرجال، والجيوش، والتحالفات، والمشاريع السياسية.
ومن لم يستطع خلال كل هذه السنوات أن يبني قوة قادرة على استعادة دولته، فإن المشكلة لم تعد في نقص الوقت، بل في صلاحية المشروع والأداة نفسيهما.
وهنا يجب أن تبدأ المراجعة.
لا نصر بمخلفات الماضي
من أكبر الأخطاء التي يجب مراجعتها الاعتقاد بأن مواجهة الحوثي يمكن أن تتم بإعادة تدوير بقايا النظام السابق وشبكاته وتوازناته، وكأن المطلوب إعادة إنتاج ما قبل 2011 بصورة جديدة.
لن يصنع المستقبل بمخلفات عفاش.
ذلك النظام انتهى، ومؤسساته تفككت، واليمن الذي كان يديره لم يعد موجودًا بالشكل نفسه.
والرهان، خصوصًا في الشمال، يجب ألا يبنى على الأسماء والعائلات والرتب والماضي السياسي، بل على سؤال بسيط:
من يملك القدرة والإرادة على الأرض؟
لا يهمني اسم القائد ولا تاريخه إذا كانت جبهته تنهار.
ولا تهمني البيانات إذا لم تتحول إلى قوة.
ولا يهمني عدد الجنود في الكشوف إذا لم يظهروا ساعة المعركة.
التحالف لا يحتاج مزيدًا من الحلفاء الورقيين.
يحتاج شركاء يستطيعون الإمساك بالأرض وحمايتها وإدارتها.
دولة على الورق
وهنا نصل إلى الحقيقة التي لم يعد من الممكن الهروب منها:
أين هي الدولة اليمنية اليوم؟
لا أتحدث عن الاعتراف الدولي، ولا عن المقاعد في الأمم المتحدة، ولا عن الأختام الرسمية.
أتحدث عن الدولة بمفهومها الحقيقي:
أرض، وسيادة، ومؤسسات، وأمن، وقضاء، وموارد، وقرار.
أين توجد هذه الدولة؟
الحقيقة أن الفجوة أصبحت هائلة بين «الدولة اليمنية» في الوثائق وبين وجودها الفعلي على الأرض.
وهذا الواقع لا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية فقط لأن المجتمع الدولي ما زال يتعامل مع صيغة قانونية اسمها الجمهورية اليمنية وحكومتها المعترف بها.
الورق لا يحكم الأرض.
ومن لا يستطيع ممارسة وظائف الدولة لا يجوز أن يبقى مانعًا للمناطق القادرة على إدارة نفسها من القيام بذلك.
وهنا تأتي حضرموت.
لماذا تنتظر حضرموت؟
إذا كانت الحكومة المركزية عاجزة عن إدارة اليمن، فلماذا تبقى حضرموت معلقة إلى أجل غير معلوم؟
لماذا تنتظر خدماتها وأمنها وتنميتها ومواردها نهاية حرب لا يعرف أحد متى تنتهي؟
حضرموت تمتلك مقومات لا تتوافر لكثير من المناطق:
مساحة جغرافية هائلة، ساحلًا طويلًا، موانئ ومطارات، موارد اقتصادية، موقعًا استراتيجيًا، نسيجًا اجتماعيًا متميزًا، وإرثًا تاريخيًا وهوية حضرمية راسخة.
إذن لماذا لا تدير نفسها؟
وأنا هنا لا أدعو إلى خطوة عاطفية أو إعلان سياسي متسرع.
بل إلى مشروع أكثر جدية:
استقلالية حضرمية متدرجة تبدأ من الأرض، لا من الشعارات.
أن تدير حضرموت أمنها.
ومواردها.
وموانئها ومطاراتها.
وخدماتها.
ومؤسساتها المحلية.
وأن تكون الأولوية في ثرواتها لأهلها وتنميتها.
ثم تبني مؤسسات سياسية واقتصادية وأمنية تستطيع حمل أي استحقاق سياسي قادم.
أما الشكل النهائي لعلاقتها باليمن، فيقرره الحضارم عندما تحين لحظة القرار وفي إطار يحفظ إرادتهم ومصالحهم.
فالاستقلال الحقيقي لا يبدأ برفع علم؛ بل ببناء دولة قادرة على حمل ذلك العلم.
اجعلوا حضرموت نموذجًا.. لا مجرد قضية
وهنا أذهب أبعد من المطالبة بإدارة حضرموت لنفسها.
اجعلوا حضرموت نموذجًا يُحتذى به لبقية الأقاليم.
بدل أن يحاول التحالف إعادة بناء دولة كاملة من أعلى بينما مركزها السياسي منهار، لماذا لا يبدأ البناء من المناطق القادرة على النجاح؟
ابدأوا بحضرموت.
ساعدوها على بناء إدارة فعالة، وأمن محترف، واقتصاد منتج، ومؤسسات حقيقية، وحكم محلي مسؤول.
دعوا المواطن في مأرب وتعز وشبوة والمهرة وغيرها يرى أمامه نموذجًا ناجحًا، لا يسمع مجرد خطابات عن دولة لا يراها.
فالنجاح معدٍ كما أن الفشل معدٍ.
وإذا استطاعت حضرموت أن تقدم نموذجًا حقيقيًا للأمن والإدارة والتنمية وسيادة القانون، فقد تصبح تجربتها نموذجًا يمكن للأقاليم الأخرى أن تستفيد منه كلٌ وفق ظروفه وخصوصيته.
بل ربما تكون حضرموت، بما تملكه من مساحة وموارد وموقع واستقرار اجتماعي نسبي، نواة جامعة للدولة الحقيقية القادمة.
دولة لا يعاد بناؤها من مركز فاشل إلى الأطراف، بل تنمو من الأقاليم الناجحة نحو مركز جديد.
وهنا تنقلب المعادلة:
بدل أن تنتظر حضرموت دولة غائبة لكي تصلحها، يمكن لحضرموت أن تبدأ ببناء نموذج الدولة التي يحتاجها المستقبل.
ليس المطلوب أن تحكم حضرموت الآخرين.
ولا أن تفرض هويتها عليهم.
بل أن تثبت أن بالإمكان على هذه الأرض بناء إدارة ناجحة ومؤسسات حقيقية وأمن وتنمية، ثم تترك لبقية الأقاليم أن تبني نماذجها وتتوافق مستقبلًا على شكل الدولة الجامعة التي تحفظ مصالح الجميع.
فالدول الحقيقية لا تصنعها الأختام الدولية وحدها؛ تصنعها المؤسسات الناجحة على الأرض.
على التحالف أن يغيّر فلسفة الحرب
بعد اثني عشر عامًا، ربما لم يعد المطلوب إنقاذ المركز اليمني بأي ثمن.
ربما المطلوب أولًا هو إنقاذ المناطق التي يمكن إنقاذها وبناء الاستقرار فيها.
وهذا تغيير جوهري في التفكير.
بدل أن تبقى الموارد تذهب إلى هياكل مركزية عاجزة، يجب أن يرتبط الدعم بالقدرة والإنجاز والاستقرار على الأرض.
من يسيطر على أرضه ويحميها ويقيم مؤسسات حقيقية يستحق الشراكة.
ومن لا يستطيع، فلا ينبغي أن يحصل على شيك سياسي مفتوح لمجرد أنه يحمل لقبًا رسميًا.
يجب أن تصبح المعادلة:
الأرض مقابل الدعم.
الإنجاز مقابل الشراكة.
والاستقرار مقابل الاعتراف السياسي بالدور.
لا مزيد من الاستثمار في الأوهام.
وحضرموت أمام ساعة القرار
لكن المسؤولية ليست على التحالف وحده.
على الحضارم أيضًا أن يسألوا أنفسهم:
هل نحن مستعدون؟
فلا معنى للمطالبة بالاستقلالية بينما القرار الحضرمي مشتت.
ولا معنى للمطالبة بالموارد دون مؤسسات قادرة على إدارتها.
ولا معنى للحديث عن المستقبل إذا بقيت حضرموت ساحة تتنافس عليها مشاريع الآخرين.
على الحضارم بناء مشروعهم.
مشروع لا يتبع صنعاء.
ولا يصبح ملحقًا بعدن.
ولا يسمح لأي قوة خارج حضرموت أن تقرر مستقبلها نيابة عن أهلها.
حضرموت يجب ألا تنتقل من تبعية إلى تبعية.
وإذا أرادت أن تكون صاحبة قرارها، فعليها أن تبدأ اليوم ببناء أدوات ذلك القرار:
مجلس سياسي جامع، ورؤية اقتصادية، ومؤسسات أمنية محترفة، وإدارة للموارد، وموقف حضرمي واضح تجاه أية تسوية سياسية قادمة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصل التسوية الكبرى، ثم يكتشف الحضارم أن الجميع حضر إلى الطاولة إلا هم، وأن مستقبل أرضهم أصبح بندًا يتفاوض عليه الآخرون.
اثنا عشر عامًا تكفي
الحرب دخلت عامها الثاني عشر.
وهذه مدة كافية لكي نقول:
بعض الرهانات فشلت.
وبعض الأدوات استنفدت أغراضها.
وبعض الوجوه التي قيل إنها ستغير المعادلة أثبتت السنوات أنها جزء من المشكلة.
لذلك فإن التحالف اليوم أمام خيار واضح:
إما الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات نفسها، أو إعادة بناء الاستراتيجية من أساسها.
أما حضرموت، فلا ينبغي أن تنتظر نتيجة هذا الفشل إلى الأبد.
عليها أن تبدأ ببناء استقلاليتها الفعلية على الأرض، وأن تدير نفسها ومصالحها وثرواتها، وأن تستعد منذ الآن لكل السيناريوهات القادمة.
فالفراغ السياسي لا يبقى فراغًا.
إذا لم يدِر الحضارم حضرموت، فسيتقدم الآخرون لإدارتها وفق مصالحهم.
لكن الفرصة أكبر من مجرد حماية حضرموت من الآخرين.
الفرصة أن تتحول حضرموت إلى قصة نجاح وسط بحر من الفشل؛ نموذج يثبت أن بناء الدولة ممكن، وأن الإدارة الرشيدة ممكنة، وأن الأمن والتنمية والمؤسسات ليست شعارات.
وعندها قد لا تكون حضرموت مجرد إقليم يبحث عن مستقبله.
قد تصبح إحدى اللبنات التي يبدأ منها مستقبل الدولة الحقيقية القادمة.
ليس المطلوب اليوم إعلانًا متسرعًا.
المطلوب أخطر وأهم:
أن تبدأ حضرموت في التصرف ككيان يعرف ماذا يريد، ويبني مؤسساته، ويمسك بأرضه وموارده، ويستعد للحظة التي سيعاد فيها رسم مستقبل اليمن.
وعندما تأتي تلك اللحظة، يجب ألا تسأل حضرموت:
ماذا قرر الآخرون لنا؟
بل يجب أن يكون الآخرون هم من يسألون:
ماذا قررت حضرموت لنفسها؟
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
12 سبتمبر 2026
