الضربة التي لم تأتِ بعد

الضربة التي لم تأتِ بعد
إيران أمام الفصل القاصم
منذ أشهر، وأنا أكتب عن المواجهة الإيرانية–الأمريكية، لا باعتبارها سلسلة حوادث عسكرية منفصلة، ولا مجرد أزمة نووية يمكن احتواؤها باتفاق جديد، بل باعتبارها صراعًا يتدرج في مراحله، وتُنتزع فيه أوراق القوة الإيرانية واحدة تلو الأخرى.
واليوم أجد نفسي أمام السؤال الذي ظل حاضرًا بين سطور عدد من مقالاتي السابقة:
هل ما شهدناه حتى الآن هو الحرب فعلًا… أم أنه كان تمهيدًا للضربة التي لم تأتِ بعد؟
في 13 مايو 2026 كتبت: «بين ليلة وضحاها… كيف تحوّل مضيق هرمز إلى مركز الحرب الحقيقي»، ثم تناولت «السعودية كبديل استراتيجي لمضيق هرمز».
لم يكن الحديث عن هرمز حديثًا عن ممر مائي فحسب؛ كانت الفكرة أعمق: أن إيران، حين تتآكل قدرتها على الردع التقليدي، ستعود إلى الورقة التي بنت عليها جانبًا مهمًا من قوتها منذ عقود: تهديد الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي.
ثم جاء مقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» في 25 مايو، وكانت فكرته أن المشكلة الإيرانية لا تكمن في العناوين الكبرى وحدها، وإنما في التفاصيل التي تجعل أي اتفاق معها قابلًا للانفجار من داخله: النووي، الصواريخ، الوكلاء، العقوبات، هرمز وأمن الخليج.
وفي 4 يونيو كتبت «إيران… حين يتحول الدين إلى غطاء سياسي ومشروع فوضى»، متناولًا مشروعًا لم يكتفِ ببناء دولة قوية داخل حدودها، وإنما أنفق عقودًا في بناء أذرع ومليشيات وساحات نفوذ خارجها.
ثم جاء «حوار الطرشان»، وبعده «إيران بعد الحرب»، ثم «من هرمز إلى خارك… هل اقتربت إيران من خسارة آخر أوراقها؟»، وصولًا إلى «بعد السماء… الأرض!».
وعندما أضع هذه العناوين اليوم متجاورة، لا أراها موضوعات متفرقة بقدر ما أراها حلقات متتابعة في مسار واحد؛ بدأ من الملف النووي، وانتقل إلى الصواريخ، ثم إلى الوكلاء وأذرع النفوذ، قبل أن يصل إلى مضيق هرمز وورقة الطاقة، لينتهي عند الحلقة الأكثر حساسية وخطورة: الداخل الإيراني نفسه.
وكأن الصراع، كلما أُغلقت أمام إيران دائرة، انتقل إلى الدائرة التي تليها، حتى أخذ يقترب شيئًا فشيئًا من مركز النظام وقدرته على الصمود.
وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأخطر.
أمريكا لا تحتاج إلى احتلال إيران
الخطأ في قراءة الصراع هو الاعتقاد أن الحسم الأمريكي، إن أُريد له أن يحدث، يقتضي احتلال إيران أو إسقاط الدولة بالكامل.
إيران بلد ضخم جغرافيًا وبشريًا، والحرب البرية المفتوحة معه ستكون بالغة الكلفة والخطورة.
لكن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى احتلال طهران لكي تغيّر إيران.
يكفيها أن تجعل المعادلة التي حكمت بها الجمهورية الإسلامية المنطقة طوال العقود الماضية غير قابلة للاستمرار.
هذه المعادلة قامت على برنامج نووي يقترب من العتبة، وترسانة صاروخية توفر الردع، وأذرع إقليمية تنقل الحرب بعيدًا عن الأراضي الإيرانية، والقدرة على تهديد الملاحة والطاقة، واقتصاد يتكيف مع العقوبات، وجهاز أمني وعقائدي يحمي النظام من الداخل.
لكن ماذا يحدث إذا ضُربت هذه الأعمدة بالتتابع؟
عندها تتحول الحرب من محاولة إضعاف إيران إلى محاولة تغيير قواعد اللعبة الإيرانية نفسها.
لهذا أرى أن الضربة الأكبر لم تقع بعد
هذا ليس تنبؤًا بالغيب، ولا ادعاءً بمعرفة قرار لم يُعلن، وإنما قراءة لاتجاه الصراع.
فبعد أشهر من المواجهة والاستنزاف، لم يستطع أي طرف فرض النهاية التي يريدها.
وعندما تطول الحروب دون حسم، لا تصبح الخيارات بالضرورة أكثر اعتدالًا؛ بل قد تصبح أكثر قسوة.
ولهذا لم يعد السؤال: هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟
لقد تجاوزت الأحداث هذا السؤال.
السؤال الحقيقي أصبح:
ما الذي بقي لدى إيران، ويمكن إذا ضُرب أن يغيّر قدرتها على مواصلة الحرب؟
هنا يجب النظر إلى منظومة القيادة والسيطرة، والقدرات الصاروخية المتبقية، والبنية العسكرية للحرس الثوري، والموانئ والمنشآت المرتبطة بالطاقة، وشبكات التمويل، وقدرات الحرب البحرية غير المتكافئة، وما تبقى من قدرة طهران على تحويل هرمز إلى ورقة ابتزاز استراتيجية.
فالضربة القاصمة، إن جاءت، لن تُقاس بعدد الطائرات ولا الصواريخ.
ستُقاس بما ستسلبه من إيران في اليوم التالي.
من هرمز إلى خارك
لهذا كتبت سابقًا عن الانتقال «من هرمز إلى خارك».
خارك ليست مجرد جزيرة؛ إنها مرتبطة بقلب الاقتصاد النفطي الإيراني.
وحين تنتقل المواجهة من ضرب القدرات العسكرية إلى تهديد شرايين الاقتصاد، تتغير طبيعة الصراع.
الرسالة لا تعود:
لن نسمح لك بامتلاك السلاح.
بل تصبح:
لن نسمح لك بامتلاك القدرة الاقتصادية على تمويل استمرار المواجهة.
وهذا تحول استراتيجي خطير.
إيران تقاتل على الزمن
طهران عرفت طوال عقود كيف تجعل الزمن سلاحًا.
تفاوض، تتراجع، تصعّد، تستخدم الوكلاء، تفتح قناة دبلوماسية، ثم تعود إلى رفع سقف المواجهة.
نجحت هذه السياسة عندما كانت تكلفة الانتظار على خصومها أكبر من تكلفته عليها.
لكن ماذا لو انعكست المعادلة؟
كل شهر إضافي من الاستنزاف يعني ضغطًا أكبر على الاقتصاد، واستنزافًا للقدرات العسكرية، واختبارًا أشد لتماسك الداخل ومؤسسات الدولة.
ولهذا ربما لم يعد الخطر الأكبر على إيران قادمًا فقط من السماء.
إنه قادم أيضًا من الزمن.
لكن أمريكا بدورها لا تملك وقتًا مفتوحًا. اضطراب الطاقة والملاحة، واستمرار العمليات العسكرية، والكلفة الاقتصادية والسياسية، كلها تجعل الحرب المفتوحة بلا نهاية خيارًا غير مريح.
وهنا تكمن الخطورة.
فعندما يعتقد طرف قوي أن استمرار الصراع لا ينتج الحسم، قد يبحث عن صدمة استراتيجية تغيّر المعادلة دفعة واحدة.
ومن هنا أرى أن الاحتمال الذي يستحق التفكير ليس مجرد جولة جديدة من القصف المتبادل، وإنما محاولة لإنتاج واقع تصبح فيه قدرة إيران على الاستمرار بعد الضربة مختلفة جذريًا عما كانت عليه قبلها.
الخطأ الإيراني الأكبر
ربما يكون أكبر خطأ استراتيجي لطهران أنها اعتادت الاعتقاد بأن العالم سيظل يخشى سقوطها أكثر مما يخشى استمرار مشروعها.
كانت الفوضى المحتملة بعد انهيار إيران إحدى ضمانات النظام غير المعلنة.
لكن ماذا لو تغير الحساب؟
ماذا لو أصبحت كلفة استمرار إيران في تهديد الملاحة والطاقة وإشعال ساحات المنطقة أعلى، في نظر خصومها، من مخاطر توجيه ضربة أشد إليها؟
عندها ندخل مرحلة مختلفة.
فالأنظمة لا تبدأ بالانهيار دائمًا عندما يُقصف آخر مبنى عسكري.
أحيانًا تبدأ لحظة الانكسار عندما تفقد الدولة قدرتها على إقناع الداخل والخارج بأنها ما زالت قادرة على حماية نفسها وفرض إرادتها.
والخليج ليس متفرجًا
الخليج هو الجغرافيا التي ستدفع ثمن أي خطأ في الحسابات.
أمن الطاقة والملاحة والمنشآت والمدن والاستثمارات ومشروعات التحول الاقتصادي الكبرى، كلها تجعل دول الخليج معنية بنهاية تمنع إيران من تهديد المنطقة، ولكنها لا تحول دولة كبيرة كإيران إلى فراغ أمني وفوضى ممتدة.
إيران ضعيفة ومستقرة أقل خطرًا من إيران منهارة وفوضوية.
فالهدف الاستراتيجي الذي يخدم المنطقة ليس رؤية إيران تحترق، وإنما رؤية إيران طبيعية: دولة داخل حدودها، لا مشروعًا عابرًا للحدود، ولا شبكة مليشيات، ولا قوة تجعل المضائق والطاقة والصواريخ أدوات ابتزاز.
الضربة التي لم تأتِ بعد
عندما أعود إلى ما كتبته منذ مايو وحتى اليوم، لا أرى مقالات متفرقة.
أرى فصولًا لمشهد واحد.
بدأنا من هرمز، ثم المفاوضات، ثم الوكلاء، ثم هشاشة الداخل، ثم خارك والطاقة.
واليوم وصلنا إلى السؤال الأخير:
ماذا بقي بعد ذلك؟
أرى أن المرحلة القادمة قد لا تكون مجرد ضربة عسكرية أخرى، بل محاولة لاستهداف المعادلة الإيرانية نفسها.
وقد لا تأتي في ليلة واحدة، ولا بالصورة السينمائية التي يتوقعها البعض.
ربما تكون سلسلة متزامنة من الضغوط والعمليات العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والأمنية، هدفها ألا تستيقظ إيران في اليوم التالي لتسأل:
ماذا خسرنا؟
بل أن تستيقظ وتسأل:
كيف نستطيع الاستمرار؟
عندها فقط تصبح الضربة قاصمة.
ليس لأنها دمّرت إيران…
بل لأنها أنهت إيران التي عرفتها المنطقة منذ عام 1979.
والأيام القادمة ستكشف إن كنا أمام جولة أخرى من حرب طويلة…
أم أمام الفصل الذي سيعيد كتابة إيران والمنطقة من جديد.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
1 سبتمبر 2026

