حين تتراجع الأسماء… وتتقدم المواقف

حين تتراجع الأسماء… وتتقدم المواقف
بقلم حنان السبهان
في زمنٍ أصبحت فيه الألقاب تُمنح أحيانًا أسرع مما تُصنع المواقف، صار من السهل أن يبدو الإنسان أكبر مما هو عليه، وأن يحيط اسمه بكلمات براقة لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يملكه من قيمة أو أثر. لكن الحقيقة التي لا تتغير أن الهيبة لا تُكتب قبل الاسم، ولا تُمنح بقرار، ولا يصنعها مديح عابر؛ فالهيبة الحقيقية تنبت من الداخل، وتسندها المواقف، وتثبتها الأيام.
قد يصفق الناس لإنسان اليوم، ثم ينشغلون عنه غدًا، وقد يبالغون في مدحه حتى يظن أنه بلغ مكانًا لم تصل إليه أفعاله بعد. هنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يستمد قيمته من أصوات الآخرين، وبين من يعرف قدره دون أن ينتظر شهادة من أحد. الأول يحتاج دائمًا إلى من يذكره بأنه مهم، أما الثاني فيكفيه أن يكون صادقًا مع نفسه، ثابتًا في مواقفه، قادرًا على أن يحفظ كرامته حتى حين لا يراه أحد.
والألقاب، مهما علت، تبقى حروفًا إن لم تسندها سيرة تستحقها. قد يُقال عن المرء إنه كريم، لكن الموقف هو من يثبت كرمه. وقد يوصف بالشجاعة، غير أن ساعة الخوف وحدها تكشف معدن الشجاع. وقد يقال إنه صاحب وفاء، لكن الوفاء لا يُقاس في أيام الرخاء، بل حين تتغير الظروف وتصبح المصلحة في جهة أخرى.
لهذا كان بعض الناس لا يحتاجون إلى تقديم طويل. يكفي أن يذكر اسمهم فتسبقه مواقفهم. حضورهم لا يعتمد على ضجيج، واحترامهم لا يحتاج إلى مطالبة، وهيبتهم لا تقوم على خوف الآخرين منهم، بل على شعور داخلي لدى من حولهم بأن لهذا الإنسان وزنًا لا يمكن اختصاره في منصب أو لقب.
ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان في رحلة العمر أن يعرف قيمته دون غرور، وأن يحفظ قدره دون تعالٍ، وأن يفرح بالكلمة الطيبة دون أن يجعلها ميزانه الوحيد. فالمديح جميل، لكنه لا يصنع إنسانًا. والنقد قد يؤلم، لكنه لا يهدم من يعرف نفسه جيدًا. وما بينهما تبقى المواقف هي اللغة الأكثر صدقًا.
نحن لا نحتاج أن نكون أكبر في أعين الناس، بقدر ما نحتاج أن نكون أصدق في أفعالنا. فالأصل يظهر عند الاختلاف، والوفاء يُرى عند الغياب، والكرم يتضح وقت الحاجة، والهيبة تسكن فيمن لا يضطر إلى إثباتها.
وفي النهاية، قد يمنحك الناس لقبًا كبيرًا، وقد يسحبونه في لحظة، أما ما صنعته بأخلاقك ومواقفك فلا يستطيع أحد أن ينتزعه منك.
فالاسم قد يُكتب بالحبر، أما القدر فتكتبه الأيام.
كاتبة رأي