أشياء لا تعود كما كانت

أشياء لا تعود كما كانت
في الحياة أشياء كثيرة يمكن تعويضها؛ مالٌ يذهب ويأتي، مكانٌ نغادره فنجد غيره، وخطةٌ تفشل فنرسم أخرى. لكن هناك أشياء إذا مضت لا تعود بالطريقة نفسها، مهما حاولنا أن نعيد ترتيب المشهد أو نُقنع أنفسنا بأن كل شيء قابل للإصلاح.
فالوقت مثلًا لا يعود.
قد نستدرك ما فات، وقد نبدأ من جديد، لكننا لا نستطيع أن نعود إلى لحظة كان ينبغي أن نقول فيها كلمة ولم نقلها، أو أن نحتضن شخصًا ولم نفعل، أو أن نستمتع بيوم جميل لأننا كنا مشغولين بما سيحدث غدًا.
ولهذا ربما يكون أكبر وهم نعيشه أننا نملك الكثير من الوقت.
نؤجل الفرح، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل السؤال عن الأحبة، ونضع الحياة نفسها في قائمة مؤجلة، ثم نكتشف فجأة أن بعض الفرص لم تكن تنتظرنا كما ظننا.
والثقة أيضًا من الأشياء التي لا تعود كما كانت.
يمكن أن نسامح، وأن نتجاوز، وأن نفتح الأبواب مرة أخرى، لكن شيئًا دقيقًا في الداخل يتغير. تصبح الروح أكثر حذرًا، والقلب أكثر انتباهًا، والكلمات تُسمع بطريقة مختلفة.
ليست كل عودة عودة كاملة.
بعض الأشياء تعود بأسمائها فقط، أما شعورها الأول فقد رحل.
حتى الإنسان نفسه لا يعود كما كان بعد بعض التجارب.
هناك مواقف تمرّ بنا ولا تصنع ضجيجًا كبيرًا، لكنها تغيّر طريقة نظرنا إلى الحياة. بعدها نصبح أقل اندفاعًا، وأكثر فهمًا للناس، وربما أكثر انتقائية فيمن نعطيه وقتنا ومشاعرنا.
وهذا ليس قسوة، بل معرفة.
فالعمر لا يعلّمنا فقط كيف نكسب الأشياء، بل يعلّمنا كذلك ما الذي يستحق أن نحافظ عليه قبل أن نفقده.
كم من إنسان كان يظن أن وجود شخص ما أمرٌ مضمون، حتى غاب.
وكم من علاقة جميلة أرهقتها التفاصيل الصغيرة لأنها ظنت أن المحبة وحدها تكفي.
وكم من بيت امتلأ بالأشخاص، ثم بقيت فيه مقاعد تروي بصمت حكاية من كانوا هنا.
لهذا علينا أن نتعلم قيمة الأشياء وهي بين أيدينا، لا بعد أن تتحول إلى ذكريات.
أن نقول الكلمة الجميلة قبل أن تصبح بلا عنوان.
أن نزور من نحب قبل أن يصبح الطريق إليه أمنية.
أن نحفظ الود ما دام قائمًا، وأن نعامل القلوب برفق؛ فالقلوب قد تسامح كثيرًا، لكنها ليست صفحاتٍ نمحو منها ما نشاء ثم نكتب من جديد.
الحياة ليست قاسية دائمًا، لكنها صريحة جدًا.
تُخبرنا مع مرور السنوات أن بعض النعم لا نعرف قيمتها إلا عندما تتغير، وأن الأشياء الصغيرة التي اعتدناها قد تكون في الحقيقة أعظم ما نملك.
صوت أمّ تناديك، ضحكة طفل في البيت، صديق يسأل عنك بلا مصلحة، صحة تسمح لك بأن تبدأ يومك وحدك، قلب ما زال يعرف كيف يحب، وبيت تعود إليه وأنت تعلم أن هناك من ينتظر وصولك.
هذه ليست تفاصيل عابرة.
هذه هي الحياة نفسها.
فلا تجعل أجمل ما لديك عاديًا لمجرد أنه يتكرر كل يوم.
هناك أشياء حين ترحل نستطيع أن نعيش بعدها، نعم، لكننا لن نعيشها مرة أخرى بالطريقة نفسها.
ولهذا، قبل أن يصبح كل شيء ذكرى، عِش ما لديك بقلبٍ حاضر.
فبعض النعم لا تحتاج منا أن نبحث عن المزيد…
تحتاج فقط أن ننتبه إليها قبل أن تمضي.
بقلم: حنان السبهان