كُتاب الرأي

نحن لا نستغربهم

نحن لا نستغربهم

نحن فقط جئنا من زمنٍ آخر

بقلم حنان السبهان

نحن جيلٌ لم تكن طفولته سهلة، لكنها كانت مليئة بما يصنع الإنسان.

كنا نستيقظ باكرًا، أحيانًا قبل أن يكتمل ضوء الصباح، نرتب أنفسنا للمدرسة، ونساعد أمهاتنا في البيت بما نستطيع. لم تكن كلمة «هذا ليس عملي» حاضرة كثيرًا في قاموسنا، فالجميع كان جزءًا من البيت، ولكل واحد دوره مهما كان صغيرًا.

نذهب إلى المدرسة، ونعود منها لنجد بقية اليوم تنتظرنا؛ واجبات، ومساعدة في المنزل، وقضاء بعض الاحتياجات، ثم نبحث وسط كل ذلك عن مساحة صغيرة للعب والفرح.

لم تكن الحياة تقدم لنا كل شيء جاهزًا.

كنا ننتظر.

ونصبر.

ونحاول.

وإذا أردنا شيئًا، لم يكن الحصول عليه فوريًا بالضرورة. أحيانًا نؤجل رغباتنا شهورًا، وأحيانًا تمر دون أن تتحقق، ومع ذلك كنا نكمل حياتنا ببساطة.

ربتنا تلك الأيام، دون أن نشعر، على التحمل.

على أن التعب جزء من الحياة.

وأن المسؤولية لا تبدأ عندما نكبر، بل تبدأ منذ أن نفهم أن لنا مكانًا ودورًا داخل الأسرة.

كبرنا، وكبر معنا ذلك الميزان الداخلي.

ولهذا حين نشاهد اليوم بعض التصرفات من الأجيال الجديدة، نقف أحيانًا مستغربين.

قد نرى أمرًا ونقول: كيف يقبلون بهذا؟

وكيف يتعاملون معه بهذه البساطة؟

وكيف أصبح ما كنا نراه خطأً أو عيبًا أو تقصيرًا أمرًا عاديًا عند بعضهم؟

لكن ربما المسألة أعمق من أن نقول: نحن أفضل وهم أسوأ.

نحن ببساطة تربينا في زمن مختلف.

كانت ظروف الحياة مختلفة، وكانت الأسرة مختلفة، وكانت المسؤوليات تأتي إلى الطفل في عمر مبكر. أما الجيل الجديد فقد وُلد في عالم أسرع، وأكثر راحة، وأكثر انفتاحًا، وأصبح كل شيء تقريبًا يصل إليه بضغطة شاشة.

ما كان عندنا نادرًا أصبح عندهم عاديًا.

وما كان يتطلب منا جهدًا، أصبح عندهم متاحًا في لحظات.

ولهذا تختلف نظرتنا للأشياء.

نحن نقيس بعض المواقف بميزان طفولتنا، وهم يقيسونها بميزان زمنهم.

ومع ذلك تبقى هناك قيم لا تتغير مهما تغيرت الأزمنة: احترام الوالدين، تحمل المسؤولية، تقدير النعمة، احترام الكبير، الوفاء بالكلمة، والقدرة على مواجهة الحياة دون الهروب من كل تعب.

لا نريد من أبنائنا أن يعيشوا قسوة ما عشناه، ولا أن يحملوا الأعباء نفسها.

بل ربما كل ما فعلناه طوال السنوات الماضية كان من أجل أن تكون حياتهم أسهل من حياتنا.

لكن المفارقة أننا حين نجحنا في تسهيل الطريق لهم، أصبحنا أحيانًا نخاف أن يفقدوا شيئًا من القوة التي صنعها فينا الطريق الصعب.

وهنا يأتي دورنا.

ليس أن نعيدهم إلى زمننا، فذلك مستحيل، ولا أن نحاكمهم بمعايير طفولتنا في كل شيء.

بل أن نأخذ أجمل ما صنعته الأيام فينا، ونزرعه فيهم بطريقة تناسب زمنهم.

نعلّمهم أن الراحة نعمة، لكنها لا تعني الاتكالية.

وأن توفر الأشياء لا يعني عدم تقديرها.

وأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية.

وأن الإنسان مهما تغير العالم حوله، يحتاج إلى أخلاق تحميه، وإرادة تسنده، وأسرة تعلّمه أن للحياة واجبات كما أن فيها حقوقًا.

نحن لسنا جيلًا كاملًا بلا أخطاء، وهم ليسوا جيلًا ضائعًا كما يقال أحيانًا.

نحن فقط أبناء زمنين مختلفين.

لكن يبقى السؤال الأهم:

هل نستطيع أن نعطي أبناءنا راحة زمنهم… وقوة زمننا في الوقت نفسه؟

ربما هنا تكمن أجمل تربية.

كاتبة رأي 

 

 

حنان السبهان

أديبة وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.