كُتاب الرأي

ما بين الطريق والسماء

ما بين الطريق والسماء

ليس كل من خرج في الصباح إلى عمله كان خفيف القلب، ولا كل من ابتسم في وجه الناس كان خاليًا من الهموم. خلف كثير من الوجوه الهادئة حكايات طويلة من التعب، وقلوب تحمل ما لو ظهر للعيان لأدهش الآخرين كيف استطاعت أن تواصل طريقها.

هناك من يستيقظ وفي داخله ألف فكرة؛ دين يشغله، مسؤولية تثقل كتفيه، بيت ينتظر منه الكثير، أبناء يحتاجون إليه، مريض يقلقه، أو أمنية تأخر تحققها. وربما خرج من بيته وهو يحمل وجعًا لا يستطيع أن يقوله لأحد، ثم أغلق الباب خلفه، وقال في نفسه: يا رب، أنت تعلم ما في قلبي، فارزقني من حيث لا أحتسب.

يمضي إلى عمله، إلى متجره، إلى طريقه، إلى مصدر رزقه، لا لأنه لا يتعب، بل لأنه يعرف أن الحياة لا تتوقف عند التعب. يمضي لأن في قلبه إيمانًا بأن لكل سعي ثمرة، وأن الله الذي أمرنا أن نمشي في مناكب الأرض ونأكل من رزقه لن يضيّع قدمًا مشت بالحلال، ولا يدًا تعبت في سبيل لقمة كريمة.

وما أجمل الإنسان حين يكون مثقلًا، ومع ذلك لا يثقل الآخرين بهمومه. يبتسم للبائع، يسلّم على زميله، يفتح نافذة سيارته للهواء، يرفع عينيه إلى السماء وكأنه يقول للحياة: ما زال لدي شيء جميل أنتظره.

التفاؤل لا يعني أن تكون أيامنا كلها جميلة، ولا أن ننكر التعب أو نتظاهر بالقوة. التفاؤل الحقيقي أن نعرف أن اليوم الصعب ليس العمر كله، وأن بابًا مغلقًا لا يعني أن الأبواب انتهت، وأن تأخر الرزق ليس حرمانًا، بل ربما كان إعدادًا لوقت أجمل وقدر أوسع.

كم من إنسان نام وهو لا يعرف كيف سيواجه غده، ثم جاءه الفرج من طريق لم يخطر له على بال. وكم من شخص ضاقت به الأيام حتى ظن أن لا مساحة فيها للأمل، ثم تغيرت حياته في لحظة كتبها الله له في الوقت الذي أراده سبحانه.

ولذلك يبقى اليقين بالله أجمل ما يحمله الإنسان معه في رحلة الكفاح. فحين تقول لنفسك: الله سيرزقني، لا تقولها اتكالًا، بل تقولها وأنت تعمل، وتسعى، وتجرب، وتتعثر، ثم تقوم من جديد. تعرف أن عليك السعي، وعلى الله النتائج، وأن الرزق ليس مالًا فقط؛ فقد يرزقك الله صحة، أو راحة بال، أو إنسانًا يسندك، أو فرصة تغير مجرى حياتك، أو بابًا صغيرًا يكون خلفه خير عظيم.

الحياة لا تطلب منا أن نكون أقوياء في كل لحظة، لكنها تعلمنا ألا نبقى طويلًا في مكان انكسارنا. نتعب نعم، نحزن نعم، وربما نبكي أحيانًا، ثم نمسح وجوهنا ونواصل السير.

وفي كل صباح جديد هناك رسالة خفية تقول لنا: ما دمت قد استيقظت، فما زال في العمر متسع، وما زالت هناك أبواب لم تُفتح، وأرزاق لم تصل، وأيام جميلة لم نعشها بعد.

فامضِ في طريقك وإن أثقلتك الحياة قليلًا، واسعَ وإن تأخر عليك ما تريد، واحتفظ في قلبك بتلك القناعة المضيئة:

سيأتي رزقي في موعده، وسيجبر الله تعبي، وما عند الله أجمل مما فقدت، وأوسع مما تمنيت.

بقلم حنان السبهان

 

 

حنان السبهان

أديبة وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.