رجل لا يصفق
إلى من لا يهمه الأمر9

إلى من لا يهمه الأمر9
رجل لا يصفق
دخل رجل كبير السن مجلسا، فقام له اثنان، وبقي بعض الشباب في أماكنهم. أحدهم منشغل بهاتفه، والآخر رفع عينيه ثم أعادهما إلى الشاشة. جلس الرجل حيث وجد مكانا.
مشهد صغير، وأراه أكبر من مسألة كرسي. ثمة شيء يتراجع في علاقتنا بالكبير، وخصوصا عند بعض أبناء الجيل الصاعد، إلا من رحم ربي. لا أقصد القيام في المجلس وحده، فالأدب أوسع من حركة الجسد. أقصد نبرة الصوت، وطريقة الرد، والصبر على حديث الكبير. ترى شابا يحدث رجلا في عمر أبيه بالطريقة نفسها التي يحدث بها صديقه. يقاطعه، ويرفع صوته، ويقول له: أنت لا تفهم. وقد يكون الرجل فعلا لا يفهم، فما علاقة ذلك بطريقة الكلام معه؟
احترام الكبير لا يعني تصديق كل ما يقول. بعضهم يخطئ كما يخطئ ابن العشرين. تستطيع أن تناقشه، وأن ترفض رأيه، وأن تخبره بأنه مخطئ. الفرق في الطريقة.
كان الكبير في مجالسنا يملك شيئا من الهيبة قبل أن يتكلم. اليوم قد يحتاج إلى منافسة الهاتف حتى يلتفت إليه أحد، وقد يعيد قصة قديمة فيتبادل بعض الشباب النظرات، وكأن سنواته الطويلة لم تمنحه حتى حق التكرار.
الزمن تغير، ومعه تغيرت علاقة الناس بالسن. لم يعد العمر وحده يمنح صاحبه سلطة الرأي، وهذا أمر مفهوم. الشاب اليوم يقرأ أكثر، ويسأل أكثر، ويعترض أكثر. المشكلة حين يظن أن سقوط سلطة الكبير يعني سقوط حقه في التقدير، وكأن الاختلاف في الرأي يسمح بتغيير نبرة الصوت أيضا.
والبيت يعرف أول الخيط. فالولد الذي يرى أباه يصغي إلى جده حتى النهاية يتعلم شيئا لا يحتاج إلى محاضرة. والذي يسمع والديه يسخران من كبار العائلة، ثم يطلبان منه احترامهم، يتعلم من المشهد أكثر مما يتعلم من الكلام. لهذا لا أحب أن نحمل الجيل الجديد التهمة كلها. خرج هذا الجيل من بيوتنا، وسمع لغتنا، ورأى مجالسنا، وتعلم منا أكثر مما نحب الاعتراف به.
وحين يدخل كبير السن مجلسا ولا يلتفت إليه أحد، لا أفكر في الكرسي الذي لم يتركه الشاب. أفكر في شيء من التربية بقي خارج المجلس.