رجل لا يصفق

إلى من لا يهمه الأمر 4

إلى من لا يهمه الأمر 

لفتت انتباهي شكوى امرأة تعمل في قيادة سيارات الأجرة عبر التطبيقات. لم تكن تشكو الزحام ولا طول ساعات العمل، فقد اعتادت ذلك كله. كانت تشكو شيئا آخر، هو أن بعض النساء اللواتي يركبن معها يبدأن محاكمتها من المقعد الخلفي.

تسألها إحداهن: أما وجدت وظيفة أفضل؟ وتقول أخرى: إلى هذه الدرجة احتجت للعمل؟

أسئلة تبدو عادية في ظاهرها لكنها تحمل أحكاما جاهزة في باطنها. فالسؤال هنا أقرب إلى حكم مسبق منه إلى استفسار حقيقي. وما يثير التأمل أن المرأة التي تطالب أحيانا بأن تُفهم قبل أن تُحكم، قد تتحول في موقف آخر إلى أول من يصدر الأحكام على امرأة تشبهها. وهنا تكمن المفارقة. فالمشكلة لا تبدأ دائما من المجتمع الكبير، فهي تنمو في التفاصيل الصغيرة التي نصنعها كل يوم. نحن أمام ثقافة تنظر إلى بعض المهن باعتبارها أقل مكانة من غيرها، وتربط قيمة الإنسان بالموقع الذي يعمل فيه لا بالجهد الذي يبذله. ولهذا يصبح العمل في نظر البعض بطاقة تصنيف اجتماعي أكثر من كونه وسيلة شريفة للكسب والاعتماد على النفس. واللافت أن كثيرا من النساء ما زلن يشتكين من الأحكام المسبقة التي تلاحق خياراتهن في الحياة والعمل، ثم يعيد بعضهن إنتاج الأحكام ذاتها حين يتعلق الأمر بامرأة أخرى اختارت طريقا مختلفا. وكأن الحرية حق شخصي ما دامت تخصنا، وتصبح موضع مراجعة حين تخص غيرنا.

وفي بعض المواقف الاجتماعية تتولى نساء محاكمة نساء أخريات بصرامة لافتة، وكأن الخروج عن الصورة التقليدية يستدعي المساءلة أكثر مما يستدعي التفهم. تنشغل بعضهن بتفحص خيارات امرأة أخرى، وكأنها مطالبة بتقديم كشف حساب عن حياتها أمام الجميع.

العمل الشريف لا ينتظر شهادة قبول من أحد، والكفاح لا يحتاج إلى إذن من أحد. وثمة سؤال يفرض نفسه هنا: لماذا يضيق بعض الناس برؤية إنسان يكسب رزقه بكرامة؟ ولماذا يتحول احترام العمل، الذي نتغنى به في الخطابات والشعارات، إلى أحكام طبقية صامتة حين يخرج من الكلام إلى الواقع؟

ناقد صحفي 

 

 

رجل لا يصفق

ناقد صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.