السعودية… عندما انتهى زمن الوكلاء

السعودية… عندما انتهى زمن الوكلاء
عبدالمحسن محمد الحارثي
في تاريخ الدول ؛ ليست كل الضربات عسكرية، فبعضها يوجَّه إلى خرائط التفكير قبل أن يوجَّه إلى خرائط الميدان. وما جرى لم يكن مجرد عمليةٍ تستهدف مواقع لفصائل مسلحة، بل كان إعلانًا بأن المملكة أعادت تعريف معادلة الردع، وأن زمن الاحتماء بالوكلاء لم يعد يضمن الحصانة.
لقد بنت المملكة سياستها، منذ توحيدها، على أصلٍ راسخ: أن السلام هو الخيار الأول، وأن حسن الجوار مبدأ، وأن استقرار المنطقة مصلحة مشتركة لا يُقام عليها مزاد.
ولذلك لم تكن يومًا دولةً تستعجل الزناد، ولا تُغريها لغة القوة، ولا ترى في الحرب إنجازًا يُحتفى به.
غير أن السلام لا يُصان بالنوايا الحسنة وحدها.
فإذا تحولت حدود الدول إلى ممراتٍ للصواريخ، وأصبحت أراضيها منصاتٍ لاعتداءاتٍ متكررة ؛ فإن الصمت لا يعود حكمة، بل يصبح ثغرةً تُغري بالمزيد من العدوان.
وكما قال الفيلسوف الروماني شيشرون: “سلامٌ بلا قوةٍ، سلامٌ قصير العمر”.
لقد ظن بعضهم أن السعودية أسيرة أخلاقها السياسية، وأن حرصها على الاستقرار سيجعلها تتحمل ما لا تتحمله الدول، وأن ضبط النفس سياسةٌ بلا نهاية ؛ وكان ذلك أعظم أخطائهم.
فالدول العاقلة لا تخلط بين الحلم والضعف، ولا بين الصبر والعجز، ولا بين الحكمة والتردد ، بل تعرف أن لكل فضيلةٍ حدًا، فإذا تجاوز المعتدي ذلك الحد ؛ أصبحت حماية السيادة واجبًا لا يحتمل التأجيل.
إن التحول الحقيقي ليس في وقوع الضربة، بل في الرسالة التي حملتها: أن مصدر التهديد أصبح داخل معادلة الردع، وأن من يختبئ خلف الفصائل، أو خلف الحدود، أو خلف الحسابات السياسية، لم يعد بمنأى عن تبعات ما يصنعه.
إنها ليست رسالة إلى فصيلٍ بعينه، بل إلى كل من اعتقد أن الوكيل يُعفي الأصيل من المسؤولية، أو أن تعدد الساحات يبدد وضوح القرار.
فالدولة التي تعرف كيف تبني المدن ؛ تعرف أيضًا كيف تحميها، والدولة التي تمد يدها للسلام ؛ لا تسمح لأحد أن يعبث بالأمن الذي تبنيه لأجيالها.
لقد أثبتت المملكة مرارًا أنها لا تُدير الأزمات بردود الأفعال، بل بصناعة التوازنات.
ولذلك فإن القوة، في عقيدتها السياسية، ؛ ليست وسيلةً للهيمنة، وإنما أداةٌ لمنع الهيمنة، وليست طريقًا إلى الحرب، وإنما سياجٌ يحمي السلام.
ولعل أعظم ما تغيّر اليوم أن معادلة المنطقة لم تعد كما كانت.
فالمعتدي لم يعد يملك امتياز اختيار الميدان وحده، ولم يعد يملك رفاهية الاعتقاد أن المسافة تمنحه حصانة، أو أن الوكيل يمحو الأثر، أو أن الصبر السعودي بلا نهاية.
لقد دخلت المملكة مرحلةً جديدة، لا تغيّر فيها مبادئها، وإنما تغيّر فيها أدوات حماية تلك المبادئ.
فالسياسة التي لا تسندها قوة، أمنيةٌ جميلة، والقوة التي لا يضبطها عقل، مغامرةٌ مدمرة.
أما السعودية ؛ فقد اختارت الطريق الأصعب: عقلٌ يحكم القوة، وقوةٌ تحرس السلام.
وسيقرأ المؤرخون هذه المرحلة بوصفها انتقالًا من ردّ العدوان إلى منع العدوان، ومن انتظار الخطر إلى ملاحقة مصدره، ومن الاكتفاء بالدفاع إلى ترسيخ الردع. وليس ذلك تبدلًا في هوية الدولة، بل اكتمالًا لها؛ فالدول الكبرى لا تُقاس بقدرتها على إطلاق القوة، بل بقدرتها على جعل خصومها يعيدون حساباتهم قبل أن يفكروا في استخدامها.
وهنا تتجلى حقيقة المملكة التي أخطأ كثيرون في قراءتها: فهي لا تعشق الحرب ؛ لكنها لا تورث أبناءها وطنًا مستباحًا.
ولا تتمنى الصدام ؛ لكنها لا تسمح بأن يكون أمنها مادةً لتجارب الآخرين.
تمد يدها للسلام حتى آخر الطريق، فإذا أُغلقت الأبواب ؛ فتحت باب السيادة، وهو الباب الذي لا يُغلق، ولا يُساوَم عليه، ولا يُطرق إلا بقرار دولةٍ تعرف أن الأوطان لا يحرسها التمني، وإنما يحرسها العزم.
ولذلك ؛ فإن ما تغيّر ليس اتجاه الصواريخ، بل اتجاه التاريخ.
فقد انتهى زمن الاعتقاد بأن المملكة ستظل تكتفي بامتصاص الضربات، وبدأ زمنٌ جديد عنوانه: السلام خيارنا الأول… وسيادتنا خطنا الأخير.
كاتب رأي
