كُتاب الرأي

مناسبات الفلاشات.. استئجار الشخصيات بالكرامات

مناسبات الفلاشات.. استئجار الشخصيات بالكرامات

عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست كل مناسبة كرامة، ولا كل مائدة ضيافة، ولا كل حضورٍ رفيع دليلاً على مكانة. فثمة مناسبات تُقام للناس، وأخرى تُقام للكاميرات؛ وفي الفارق بينهما تنكشف حقيقة النوايا.

بعض من يوجس في نفسه نقصاً ؛ يحاول أن يستعير من الآخرين ما يفتقده في ذاته ، فينتقي من عليّة القوم من يرفع بهم منسوب المشهد، ويبالغ في الترحيب، ويقسم الأيمان: «لك واجب عندي، وأنت رمز من رموز كذا»، بينما المقصود في حقيقة الأمر ليس الشخص، وإنما ما يمثله اسمه في الصورة.

وهنا تبدأ حكاية استئجار الشخصيات بالكرامات.

يُكرم صاحب المكانة لا لذاته، وإنما ليكون ديكوراً في مشهد اجتماعي؛ تُلتقط معه الصور، وتُرفع العبارات، ويُنفخ في المناسبة حتى تبدو أكبر من حقيقتها. والضيف يعلم أنه استُدعي ليكون جزءاً من المشهد، لكنه لا يردّ الكرامة، ولن يردّها لمن أكرمه؛ فالكرامة هنا ليست غاية، بل وسيلة لصناعة صورة.

والناس شهود الله في أرضه؛ يرون أكثر مما يظن صاحب المناسبة، ويقرأون ما وراء المشهد قبل أن تنتهي الصور. يعرفون أن بعض هذه المناسبات مهايطة من الدرجة الأولى، وأن الدعوة ليس لها رأسٌ من معنى ولا ذنبٌ من غاية؛ مناسبةٌ تبدأ بالدعوة وتنتهي بالتصوير، وبينهما كثير من التهويل وقليل من الصدق.

وقد يظن صاحب المناسبة أنه أحكم إخراج المشهد، وأنه اشترى بالكرامات ما يكفي لصناعة الهيبة؛ لكن الناس لا تُخدع طويلاً. هم يميزون بين من حضر تقديراً، ومن حضر مجاملة، ومن وُضع في المشهد ليكون ديكوراً اجتماعياً.

وكما يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يُحسنُه»؛ فالقيمة ليست فيما نستعيره من أسماء الآخرين، ولا في عدد الوجوه التي تصطف حولنا، وإنما فيما نصنعه حين لا تكون هناك كاميرا.

والمفارقة أن بعض من يُنفقون بسخاء على مناسبةٍ تُملأ بالفلاشات ؛ قد يترددون أمام حاجة حقيقية: جهاز تحتاجه أسرة، أو علاج لمريض، أو دين يثقل كاهل معسر.

ووالله، وبالله، وتالله: لو خُيّر بعضهم بين قيمة تلك الفلاشات وبين جهازٍ يدخل بيت محتاج، لاختار المناسبة؛ لأنه يريد أن يُرى كريماً، لا أن يكون كريماً.

وهنا تنتهي الحكاية عند امتحان الضمير.

فالكرم الذي يحتاج إلى جمهور ليس كرمًا خالصاً، والهيبة التي تحتاج إلى استعارة الآخرين ليست هيبة راسخة، ومن جعل أصحاب المكانة ديكوراً لمجلسه ؛ فقد استأجر حضورهم ليلةً، ثم أعادهم إلى أصحابهم مع آخر صورة.

أما الكرامة الحقيقية، فلا تحتاج إلى فلاش، ولا إلى شهير، ولا إلى مجلسٍ مكتظ بالأسماء. قد تكون في يدٍ تمتد لمحتاج، أو جهازٍ يدخل بيت أسرة، أو دينٍ يُقضى عن معسر، ثم يعود صاحبها إلى بيته دون أن يعرف به أحد.

هناك فرق بين أن تُكرم الإنسان، وأن تستثمر مكانته؛ وبين أن تستضيفه، وأن تستأجر اسمه لتجمّل به صورتك.

فالصور قد تبقى في الهواتف، والأسماء قد تتداولها المجالس، لكن الناس ـ وهم شهود الله في أرضه ـ يعرفون الفرق بين من أكرم الرجال، ومن استخدم الرجال ليُكرم صورته.

ومن استأجر الشخصيات بالكرامات، اشترى صورةً عابرة؛ ومن أكرم محتاجاً في صمت، اشترى أثراً لا تنتهي صلاحيته.

فالهيبة التي تحتاج إلى فلاش… غالباً لا تملك نوراً من ذاتها.

كاتب رأي 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.