زخم الهجوم اليمني .. واستثمار النجاح .

زخم الهجوم اليمني .. واستثمار النجاح .
تقدير موقف عسكري .
الأربعاء الموافق ( 30 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( عندما يتواصل زخم الهجوم وتتعدد محاور الضغط ، لا يقاس النجاح بعدد الضربات وحدها ، بل بقدرة القوات على تحويل نتائجها إلى واقع جديد على الأرض . )
في مقال الأمس ( اضربوهم قبل أن يهربوا ) كانت الفكرة العسكرية واضحة : عندما تنكشف تجمعات الخصم وتعزيزاته ومخازنه أمام النيران ، فإن أخطر الأخطاء أن يمنح الوقت لينجو بها ويعيد استخدامها .
واليوم تبدو أهمية تلك الفكرة أوضح في الميدان . فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية رسميا تنفيذ ( 414 ) عملية استهداف دقيقة خلال أربع وعشرين ساعة ضد تعزيزات وقدرات عصابات حوثية في جبهات متعددة ، بالتزامن مع استمرار المواجهات في تعز ولحج ومحاور الوازعية والمضاربة وكهبوب .
بالأمس كان المطلوب ضرب التجمعات الحوثية قبل أن تفلت من مرمى النيران ، واليوم أصبح المطلوب ألا تفلت نتائج تلك الضربات من يد الميدان .
وللتذكير بجذور الحرب ، ارتبط الحوثيون الإرهابيون بإيران بشبكة من الدعم العسكري والتسليح والتدريب ونقل الخبرات ، وثقتها تقارير دولية وقرارات أممية متعددة . ومنذ سيطرتهم بالقوة على صنعاء في ( 21 ) سبتمبر ( 2014 )م ، وما أعقب ذلك من تقويض مؤسسات السلطة الشرعية المعترف بها دوليا ، دخل اليمن مرحلة طويلة من الحرب والانقسام ، ودفع شعبه أثمانا باهظة .
ولم تكن الكلفة عسكرية وسياسية فقط ، بل امتدت إلى الاقتصاد والراتب ولقمة العيش وأمن المواطن الشخصي . فقبيل سيطرة الحوثيين على صنعاء كان الدولار يعادل نحو ( 215 ) ريالا يمنيا ، وكان اليمن ، رغم مشكلاته الاقتصادية ، يعيش تحت مؤسسات نقدية واقتصادية موحدة . أما بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام ، فقد أصبح الاقتصاد مجزأ ، وانخفض نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي بنحو ( 58% ) منذ عام ( 2015 )م .
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يعاني المواطن نقص السيولة وإنعدام الرواتب وضيق فرص العمل وتراجع الدخول والقدرة الشرائية . فالقيمة الحقيقية للعملة لا يحددها رقم الصرف وحده ، وإنما ما يوفره دخل المواطن من غذاء ودواء وسكن وخدمات ، ومدى إستلامه راتبه وقدرته على إعالة أسرته من عدمه .
فالانهيار الاقتصادي في الحروب ليس هامشا للميدان ؛ إنه وجه آخر للخسارة يدفع ثمنه من لم يحمل السلاح .
كما وثقت منظمات حقوقية دولية في مناطق سيطرة الحوثيين حالات قتل فردي وجماعي و إغتيالات و إعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة ، وطالت حملات الاعتقال والسجن موظفين في الأمم المتحدة وعاملين في الإغاثة والمجتمع المدني وصحفيين وناشطين .
وهكذا لم تقتصر كلفة ما بعد سبتمبر ( 2014 )م على الجبهات ؛ بل امتدت إلى العملة والراتب والغذاء والدواء والحريات الشخصية .
1 ـ الموقف العام .
ما يجري على الأرض يتجاوز تبادل النيران في جبهة واحدة . فالضغط يمتد إلى مواقع وتحركات وتعزيزات عصابية حوثية في أكثر من اتجاه ، بينما تدفع الجماعة بقوات وآليات إلى مناطق المواجهة وتستخدم الصواريخ والنيران بعيدة المدى .
والرقم ( 414 ) مهم ، لكن قيمته العسكرية الحقيقية تتحدد بما يتركه من أثر في قدرة الحوثيين على الحركة والتعزيز وإعادة التجميع .
فالضربة تصيب الهدف ، أما استمرار الضغط فيجعل آثار الضربات تتراكم .
2 ـ زخم الهجوم .
المصطلح العسكري الأهم في قراءة المرحلة الحالية هو زخم الهجوم ؛ أي المحافظة على سرعة العمليات وقوتها واستمراريتها ، بحيث يبقى الخصم تحت الضغط ولا يحصل على الوقت الكافي لاستعادة توازنه .
وبالمفهوم المباشر : إذا دفعت خصمك إلى الارتباك والتراجع ، فلا تمنحه استراحة يعود بعدها إلى القتال بالقوة نفسها .
وهذا هو الامتداد الطبيعي لفكرة ( اضربوهم قبل أن يهربوا ) ؛ فالمسألة لم تعد إصابة تجمع انكشف أمام النيران فقط ، بل البناء على نتائج الضربات في الميدان .
3 ـ تعز ولحج .. ضغط الجبهة واتساع النيران .
في تعز أعلنت القوات المسلحة اليمنية التصدي لهجوم في بني بكاري بجبهة جبل حبشي ، وإحباط محاولة تسلل شمال غربي المدينة ، بالتزامن مع استهداف مواقع وآليات وتجمعات حوثية .
وامتد الضغط إلى الوازعية والمحاور المتصلة بالمضاربة وكهبوب في لحج . وفي ( 25 ) سبتمبر أعلنت القوات الحكومية السيطرة على قمة جبل نمان ودار الكافر ، وهي مواقع تكتسب أهميتها من طبيعة المرتفعات ومسارات الحركة في المنطقة .
وفي المقابل ، أفادت المصادر الرسمية بأن الحوثيين أطلقوا في ( 29 ) سبتمبر أربعة صواريخ باليستية باتجاه مدينة التربة جنوب تعز ، ما أدى إلى أضرار مادية في منازل وممتلكات .
وهذه التطورات تكشف تداخل القتال على الأرض مع النيران بعيدة المدى . فالصواريخ تستطيع إيقاع الخسائر والتأثير في العمق ، لكنها لا تتحول بذاتها إلى سيطرة على الأرض ؛ فالسيطرة تبقى رهنا بالقوة القادرة على الوصول إليها والاحتفاظ بها .
4 ـ استثمار النجاح .
بالأمس كان السؤال : هل تضرب القوات المسلحة اليمنية التجمعات والتعزيزات الحوثية قبل أن تتفرق؟
واليوم أصبح السؤال : ماذا يحدث بعد الضربة؟
فإذا تعطلت تعزيزات ، فالقيمة في أن يظهر أثر ذلك على الجبهة . وإذا فقد الحوثيون موقعا ، فالقيمة في تثبيت ما تحقق . وإذا اضطروا إلى نقل قواتهم من محور إلى آخر ، فالعبرة فيما يتركه ذلك من ضغط أو ضعف في بقية المحاور .
هنا تتحول الضربات المتفرقة إلى جهد عسكري مترابط ، ويتحول النجاح الآني إلى نتيجة يمكن البناء عليها .
5 ـ الجيش والقبائل والشعب .
تظهر العمليات الأخيرة أهمية تلاقي جهد القوات المسلحة اليمنية مع الإسناد المحلي والقبلي في بعض المحاور . فالقوات المسلحة اليمنية في مواقعها ، ورجال القبائل العارفون بأرضهم ، والشعب الذي تحمل سنوات الحرب ، يمثلون معا عمقا ميدانيا ومعنويا لتماسك الجبهة والدولة .
6 ـ تقدير الموقف .
دلالة التطورات الأخيرة لا تكمن في عدد الضربات وحدها ، بل في قدرة القوات اليمنية على تحويل كثافة النيران إلى أثر متراكم على الأرض .
وكلما انعكس هذا الضغط على حركة التعزيزات وقدرة الحوثيين على المناورة وإعادة التجميع ، انتقلت العمليات من مجرد إيقاع الخسائر إلى تحقيق نتائج ميدانية يمكن البناء عليها . أما إذا بقيت الضربات أحداثا منفصلة ، فإن أثرها قد يبقى محدودا ، ويظل للخصم هامش لإعادة التنظيم وتوزيع قواته .
وهنا تحديدا تظهر قيمة زخم الهجوم واستثمار النجاح .
فكل موقع يصمد ، وكل محاولة تسلل تفشل ، وكل تعزيز يتعطل ، وكل نجاح يثبت على الأرض ، يضيف ثقلا جديدا إلى الموقف الميداني ويقلص حرية الحركة وإعادة التجميع .
بالأمس قلنا : اضربوهم قبل أن يهربوا .
واليوم تقول حركة الميدان : إن المحافظة على زخم العمليات وتثبيت ما تحقق واستثمار النجاح تجعل آثار الضغط تتراكم ، وتضيق مساحة المناورة ، وترفع كلفة استمرار القتال .
( ففي الحرب ، لا تكفي إصابة الخصم ؛ وإنما تكتمل قيمة الضربة عندما تتحول نتائجها إلى واقع جديد على الأرض . ) .


