كُتاب الرأي

الصعلكة .. حين يخرج الشاعر من قيم المجتمع

الصعلكة .. حين يخرج الشاعر من قيم المجتمع

عبدالمحسن محمد الحارثي

كان الصعلوك القديم يخرج من القبيلة إلى الصحراء؛ يحمل سيفه، ويعرف أن لكل خروجٍ ثمنًا، ولكل مغامرةٍ عاقبة.
كان متمردًا على مألوف الجماعة، يقف في العراء بلا ظلٍّ يحميه، ولا قوةٍ يستند إليها إلا قوته.

أما صعلوك اليوم، فقد تغيّرت عدته، وتبدّل ميدانه؛ لم يعد يحتاج إلى فرسٍ وسيف، يكفيه لسانٌ منفلت، وقلمٌ جريء، ومنصةٌ تمنحه جمهورًا.
وهنا تبدأ صعلكة من نوع آخر: خروجٌ لا من القبيلة، بل من قيم المجتمع.

وليس الصعلوك المعاصر فقيرًا بالضرورة؛ فالفقر ليس عيبًا، ولا التمرد جريمة..إنما الصعلكة أن يجعل المرء من الجرأة غطاءً للتجاوز، ومن حرية التعبير ذريعةً للإساءة، ومن النقد معبرًا إلى التشهير، ثم يطلب من الناس أن يسمّوا ذلك شجاعة.

كان صعلوك الأمس يواجه المجتمع بسيفه ؛ أما صعلوك اليوم فيواجهه بلسانه.
الأول كان يدفع ثمن فعله وحده ، أما الثاني فقد يقول كلمته ثم يبحث عن ظلٍّ يستتر به؛ جماعةً أو شهرةً أو صاحب نفوذ، فإذا أمن العاقبة طغى، وإذا اقتربت المساءلة انكمش.

وهنا يظهر الفارق بين المتمرد والصعلوك.

فالمتمرد قد يختلف مع السائد ليصححه، ويصطدم بالمألوف ليوقظ الوعي، ويقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله؛ لكنه لا يهدم قيمةً وهو يطالب بتغييرها، ولا يسلب الآخرين كرامتهم وهو يطالب بحريته.

أما الصعلوك، فغايته أن يكسر الحاجز؛ فإن لم يجد حاجزًا صنعه، ثم كسره.

ولهذا ..لم تعد الكلمة اليوم بلا تبعات..فالكلمة قد تجرح، والتشهير قد يهدم، والإساءة قد تفسد ما تعجز عنه الأفعال.
وحين تتجاوز الكلمة حدود الرأي إلى الاعتداء على الحقوق والكرامات ؛ فإن القانون يصبح حاضرًا ؛ لا ليصادر الاختلاف، وإنما ليضع للحرية حدودها التي تمنعها من التحول إلى فوضى.

لكن الأخطر هو الصعلوك المستظل؛ ذلك الذي لا يملك شجاعة الوقوف وحده، فيستقوي بظل غيره، ثم يطغى ما دام الظل قائمًا.
يظن أن الحماية حصانة، وأن الشهرة قوة، وأن كثرة الأتباع تمنحه حقًا ليس له.

وهُنا ؛ لا بد من تذكيره بأن الظل لا يصنع قامة، وإنما يكشفها حين تزول الشمس.

لقد تغيّرت الصحراء، لكن الصعلكة لم تنقرض؛ انتقلت من الفلاة إلى الفضاء الرقمي، ومن السيف إلى الكلمة، ومن قطع الطريق إلى محاولة قطع الطريق على القيم.

ومع ذلك ؛ تبقى الحقيقة أبسط من كل ذلك:
ليس كل خروجٍ بطولة، ولا كل جرأةٍ شجاعة، ولا كل من امتلك لسانًا امتلك حق الإساءة.

فالحرية التي لا يحرسها خلقٌ ؛ تصبح فوضى، والجرأة التي لا يحكمها عقلٌ ؛ تصبح تهورًا، والكلمة التي لا يصونها ضميرٌ ؛ قد تكون سلاحًا أمضى من السيف.

أما من يستظل بغيره ليطغى، فليتذكر أن الظِلَال لا تدوم، وأن الشمس إذا أشرقت لا تسأل المُسْتَظِل: من صاحبك؟

فالصعلوك القديم كان يواجه المجتمع بسيفه، أما صعلوك اليوم فيواجهه بلسانه؛ وكلاهما يظن أن القوة في الخروج، بينما القوة الحقيقية أن تعرف أين تقف.

كاتب رأي 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.