كُتاب الرأي

تمت المعالجة .. وتم تقفيل الطلب!

تمت المعالجة .. وتم تقفيل الطلب!

عبدالمحسن محمد الحارثي

لكن ؛ من يملك حق إقفال الشكوى؟
هل هو المُشغِّل أم المشترك؟!
في السنوات الأخيرة ؛ شهدت الخدمات الحكومية والخدمية تطوراً كبيراً في مسار التحول الرقمي، وأصبح تقديم البلاغات والشكاوى أكثر سهولة عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية.

غير أن هذا التطور، رغم إيجابيته ؛ كشف عن إشكالية إجرائية تتكرر بصمت: إقفال الطلب قبل التحقق من انتهاء المشكلة فعلياً على أرض الواقع.

فكثيراً ما تصل إلى المستفيد رسالة مختصرة تقول: “تمت المعالجة، وتم تقفيل الطلب” ؛ بينما الواقع يشير إلى أن المشكلة لم تُعالج من جذورها، وأن ما جرى لا يتجاوز معالجة مؤقتة أو إجراءً يخفف الأثر دون أن يزيل السبب.

إن الإشكال هنا لا يتعلق بوجود الخدمة أو سرعة الاستجابة، بل بغياب معيار واضح يربط بين “إقفال الطلب” و“انتهاء المشكلة”.
وهو فارق جوهري بين إدارة إجراء إداري، وإدارة أثر فعلي على حياة الناس.

خذوا مثالاً على ذلك ..انقطاع الكهرباء المتكرر في بعض الأحياء.
يحضر الفني عند البلاغ، ويُعاد تشغيل القاطع، فتعود الخدمة مؤقتاً، ثم يُغلق البلاغ باعتبار أن المشكلة انتهت.
لكن السؤال الذي يتكرر: لماذا يعود الانقطاع خلال أيام أو أسابيع؟ ولماذا لا تتم معالجة السبب الفني أو الشبكي الذي يؤدي إلى تكرار المشكلة؟
هنا ؛ يتحول الإقفال إلى إجراء إداري، بينما تبقى المشكلة قائمة في الواقع.

والأمر ذاته يظهر في خدمات المياه ، ولكن بصورة إيجابية ؛ فعند طلب صهريج مياه ؛ يتم إرسال رمز تحقق إلى المستفيد، ولا يُغلق الطلب إلا بعد تأكيد التسليم.
وهي آلية بسيطة لكنها فعّالة ؛ لأنها تربط بين الإجراء وبين تحقق المستفيد من الخدمة.
وهنا ؛ يبرز سؤال منطقي: لماذا لا يتم اعتماد آلية مشابهة في الشكاوى الخدمية الأخرى، بحيث لا يُغلق الطلب إلا بعد تأكيد المستفيد أن المشكلة قد انتهت فعلياً؟

وفي تطبيقات أخرى مثل البلديات، قد يُقدم بلاغ عن وجود حيوانات سائبة تشكل خطراً على السكان، فيُتخذ إجراء محدود أو مؤقت، ثم يُغلق البلاغ.
لكن بعد فترة قصيرة جداً ؛ تعود المشكلة للظهور، وكأنها لم تُعالج.
في هذه الحالة ؛ يصبح الهدف غير المعلن هو تقليل عدد البلاغات المفتوحة، لا حل المشكلة بشكل جذري.

إن هذا النمط من التعامل يثير سؤالاً محورياً لا يمكن تجاوزه: من يملك حق إقفال الشكوى؟

هل هي الجهة التي تلقت الشكوى، فتغدو الخصم والحكم في آنٍ واحد؟!
أم أن هذا الحق ينبغي أن يبقى للمستفيد الذي تقدّم بالشكوى ابتداءً، بوصفه الطرف الأقدر على تقييم ما إذا كانت المعالجة قد لامست جوهر المشكلة بكل شفافية ، أم اكتفت بإغلاق الإجراء؟

إذا كان الهدف من الشكوى هو إنهاء المعاناة ؛ فإن صاحب المعاناة هو الأعرف بتفاصيلها، والأقدر على الجزم بانتهائها من عدمه.
فإقفال الطلب بقرار أحادي من الجهة المقدمة للخدمة قد يضيف رقماً إيجابياً إلى مؤشرات الأداء، لكنه لا يضمن بالضرورة شعور المستفيد بالإنصاف، ولا يمنع تكرار المشكلة بصور مختلفة.

إن بناء الثقة بين المؤسسات والمستفيدين لا يتحقق بمجرد استكمال الإجراءات، بل بإشراك المستفيد في الحكم على نتائجها.
ومن هنا ؛ فإن منح المستفيد حق تأكيد إغلاق الشكوى لا يمثل عبئاً إدارياً، بقدر ما يعكس نضجاً مؤسسياً يضع جودة الحل فوق سرعة الإقفال، ويجعل الأثر الحقيقي هو معيار النجاح.

إن السؤال الحقيقي ليس: كم طلباً أُغلق؟ بل: كم مشكلةً انتهت؟
فبين السؤالين مسافة واسعة، وبين الإجابتين فرقٌ يصنعه الاهتمام بجوهر الخدمة لا شكلها، وبالإنسان لا بالرقم.

كاتب رأي 

 

 

عبدالمحسن محمد الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.