هل حان وقت توحيد القطاع غير الربحي؟

هل حان وقت توحيد القطاع غير الربحي؟
من تعدد الكيانات إلى وحدة الأثر
عبدالمحسن محمد الحارثي
في مسيرة الأمم تأتي لحظات تاريخية لا يكون التحدي فيها إنشاء مؤسسات جديدة، بل إعادة تنظيم المؤسسات القائمة لتعمل بكفاءة أعلى وأثر أعمق.
ويبدو أن القطاع غير الربحي السعودي يقف اليوم على أعتاب هذه المرحلة.
فبعد عقود من البناء والعطاء، وسنوات من التمكين والتطوير، لم يعد السؤال: كيف نزيد عدد الجمعيات؟ بل: كيف نضاعف أثرها؟
ذلك أن الفرق بين الدول المتقدمة وغيرها لا يكمن في كثرة المؤسسات، وإنما في قدرتها على جعلها تعمل ضمن رؤية واحدة ومنظومة متكاملة.
ولعل التاريخ الإنساني كله يؤكد هذه الحقيقة؛ فالدول لم تحقق استقرارها النقدي عندما تعددت عملاتها، بل عندما وحدتها، والأسواق لم تبلغ نضجها عندما تكاثرت أنظمتها الرقابية، بل عندما خضعت لمرجعيات تنظيمية موحدة، والجيوش لم تنتصر بكثرة غرف القيادة، بل بوحدة القرار.
ولهذا يمكن القول إن أحد أسرار الحضارة الحديثة هو تقليل التشتت وتعظيم التكامل.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع:
هل آن الأوان لأن ينتقل القطاع غير الربحي من مرحلة التوسع العددي إلى مرحلة التكامل المؤسسي؟
لقد حقق القطاع غير الربحي في المملكة إنجازات تستحق الإشادة، فارتفع عدد الجمعيات غير الربحية إلى آلاف الكيانات، ووصلت أعداد المتطوعين إلى مستويات غير مسبوقة، كما تحقق عدد من مستهدفات رؤية المملكة 2030 قبل موعدها المحدد.
غير أن النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم التوسع فحسب، بل بقدرته على إنتاج أثر أكبر.
وكما يقول بيتر دركر:
“الكفاءة هي أن تنجز الأشياء بطريقة صحيحة، أما الفاعلية فهي أن تنجز الأشياء الصحيحة”.
واليوم لم تعد القضية الرئيسة كفاءة كل جمعية على حدة، بل فاعلية القطاع بأكمله.
فالمشهد الحالي يكشف عن تعدد كيانات تعمل أحياناً في مسارات متقاربة وأهداف متشابهة؛ جمعيات صحية وأسرية ودعوية وبيئية وغذائية وإيوائية وتنموية وتطوعية ومساندة، وغيرها من المسميات التي تتقاطع في كثير من البرامج والاحتياجات التشغيلية.
ولا خلاف على أهمية التخصص، لكن التخصص شيء، والتشظي شيء آخر.
فالأنهار لا تفقد هويتها عندما تصب في مجرى واحد، لكنها تكتسب قوة أكبر على الوصول والتأثير.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تصنيف الجمعيات ضمن مظلات وطنية كبرى، تحافظ على خصوصية التخصصات، وتحد من التداخل وازدواجية الجهود.
أما القضية المالية، فهي أعمق من مجرد حسابات مصرفية أو تبرعات موسمية.
فالقطاع غير الربحي يمتلك أوقافاً وأصولاً واستثمارات وأراضي وأسهمًا وأنشطة اقتصادية متنوعة تمثل رأس مال اجتماعيًا وتنمويًا ضخماً.
والسؤال:
هل تُدار هذه الموارد باعتبارها منظومة وطنية متكاملة، أم كوحدات مالية متفرقة؟
ومن هنا ؛ تبرز فكرة إنشاء «بنك الجمعيات الموحّد»، ليس بوصفه مشروعاً مصرفياً تقليدياً، بل إطاراً استراتيجياً لإدارة رأس المال الاجتماعي الوطني وتعظيم عوائده.
ففي الاقتصاد الحديث لا تتحدد القوة بحجم الموارد فقط، بل بكفاءة تنظيمها.
ولهذا يقول الاقتصادي الأمريكي ليستر ثورو:
“الميزة التنافسية لا تأتي من الموارد، بل من طريقة تنظيم الموارد”.
ومن المال ننتقل إلى الثقة، وهي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة خيرية.
ولهذا ؛ فإن الإفصاح عن الأوقاف والأراضي والاستثمارات والأسهم والأنشطة التجارية لم يعد مطلباً تنظيمياً فحسب، بل ضرورة تنموية وأخلاقية.
فالمجتمع الذي يمنح ثقته وتبرعاته وجهده ؛ يستحق أن يعرف حجم الأصول، ومجالات الاستثمار، والعوائد المتحققة، والأثر الناتج عنها.
وقد لخّص فرانسيس بيكون هذه الحقيقة بقوله:
“المعرفة قوة”.
وفي عصر البيانات ؛ أصبحت الشفافية أحد أهم مصادر القوة المؤسسية ؛ لأنها تصنع الثقة، والثقة تصنع الاستدامة.
أما الملف الوظيفي ؛ فهو من أكثر الملفات احتياجاً إلى المعالجة.
فآلاف الموظفين يعملون في القطاع غير الربحي تحت مسميات مختلفة وسلالم وظيفية متباينة ومزايا متفاوتة، رغم تقارب كثير من الأعمال والاختصاصات.
ومن هنا ؛ تبرز الحاجة إلى توحيد المسميات الوظيفية، وبناء سلم وظيفي موحد، ووضع معايير واضحة للتأهيل والترقي والتقييم.
فالمؤسسات القوية لا تُبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على الأنظمة العادلة.
وكما يقول هنري فايول:
“النظام هو الشرط الأول لكل تقدم”.
أما البعد الجغرافي ؛ فيستحق هو الآخر مراجعة تتناسب مع عصر التحول الرقمي.
فالمملكة تمتد على ثلاث عشرة منطقة إدارية تختلف في احتياجاتها وفرصها التنموية، لكن التقنية الحديثة تجاوزت كثيراً من القيود الجغرافية التقليدية.
ولذلك ؛ فإن المستقبل قد يكون أقرب إلى مفهوم النطاق الوطني منه إلى مفهوم النطاق المحلي الضيق، بما يتيح للجمعيات المتميزة خدمة المستفيد أينما كان داخل الوطن.
ومن أجل تحقيق هذه الرؤية ؛ قد يصبح من المناسب إنشاء هيئة عامة للجمعيات الموحّدة تتولى التنسيق والحوكمة وقياس الأثر، إلى جانب منصة وطنية موحدة تربط البيانات والإجراءات والخدمات وتدعم الشفافية والتكامل.
فالعالم يتجه اليوم نحو المنصات الكبرى، وتكامل البيانات، والحوكمة الذكية، لا نحو الأنظمة المتفرقة.
إن الدعوة إلى توحيد القطاع غير الربحي ليست دعوة إلى إلغاء التنوع أو تذويب الهويات المتخصصة، بل دعوة إلى الانتقال من تعدد الكيانات إلى وحدة الأثر.
وقد قال أرسطو:
“الكل أكبر من مجموع أجزائه”.
ولعل هذه العبارة تختصر القضية بأكملها.
فالقطاع غير الربحي السعودي ؛ يمتلك ثقة المجتمع، ودعم الدولة، ورؤية وطنية طموحة، وخبرات متراكمة، ورأس مال اجتماعيًا هائلاً.
وإذا أُحسن تنظيم هذه العناصر ضمن منظومة أكثر تكاملاً ووضوحاً، فلن يكون السؤال مستقبلاً:
كم جمعية لدينا؟
بل:
كم مشكلة استطعنا حلها؟
وكم أسرة انتقلت من الحاجة إلى الاكتفاء؟
وكم فرصة تنموية استطعنا خلقها؟
فالمؤسسات العظيمة لا تُقاس بعدد مقراتها، بل بحجم أثرها.
والعمل الخيري في جوهره ليس صناعة كيانات، بل صناعة تغيير وتعزيز أثر .
كاتب رأي

