حِيْرةُ الإنسان

حِيْرةُ الإنسان
عبدالمحسن محمد الحارثي
يقول مصطفى محمود:
“نُقاوم ما نُحب، ونتحمّل ما نكره!”
ولعلّها ليست مجرّد عبارة عابرة، بل تشريح مُكثّف لطبيعة الإنسان؛
فكثيرٌ من البشر لا يُهزمون من الخارج، بل من ارتباك الداخل.
نحن أحيانًا نُقاوم الأشياء الجميلة؛ لأنّها تُخيفنا.
نُقاوم الحب خشية الفقد، ونُقاوم النجاح خوفًا من تبعاته، ونُقاوم التغيير ؛ لأنّ المجهول ـ مهما كان واعدًا ـ يُقلق النفس أكثر من الألم المعتاد.
وقديمًا قال أفلاطون:
“أعظمُ سجنٍ يعيش فيه الإنسان هو خوفه ممّا يظنّه الآخرون”.
ولذلك؛ قد يبقى الإنسان عمره كلّه أسير فكرة، أو بيئة، أو علاقة، لا لأنّها تُناسبه ، بل لأنّه يخشى التحرّر منها.
وفي المقابل؛ يتحمّل ما يكره بصبرٍ عجيب!
يتحمّل الإهانة، والاستنزاف، والخيبات المتكرّرة، بل وربّما أقنع نفسه أنّ الاعتياد نوعٌ من الرضا.
وهنا ؛ تتجلّى المفارقة المؤلمة:
أنّ الإنسان قد يُبالغ في مقاومة ما يُنقذه، ثم يُبدع في التكيّف مع ما يُؤذيه!
وقد قال نجيب محفوظ:
“آفةُ حارتنا النسيان”.
ولعلّ من النسيان أن ينسى الإنسان قيمته، فيعتاد ما لا يليق به.
إنّ كثيرًا من الناس لا يعيشون حياتهم كما يريدون، بل كما اعتادوا.
والاعتياد ـ حين يغيب الوعي ـ قد يتحوّل إلى نوعٍ راقٍ من العبودية الصامتة.
ولهذا؛ فإنّ الفلاح في الدنيا لا يحتاج دائمًا إلى قوّةٍ خارقة، بقدر حاجته إلى بصيرة.
أن يفهم الإنسان نفسه قبل أن يُحاكم الحياة.
قال علي بن أبي طالب:
“قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسن”.
وأعظم ما يُحسنه الإنسان:
أن يعرف متى يُقبل، ومتى ينسحب، ومتى يصبر، ومتى يتوقّف.
فليس كلُّ صبرٍ محمودًا، ولا كلُّ تخلٍّ ضعفًا، ولا كلُّ بقاءٍ وفاءً.
بعض الناس يسمّون استسلامهم “رضًا”،
ويُسمّون خوفهم “حكمة”،
ويُسمّون عجزهم “قناعة” ؛ بينما الحقيقة أنّ النفس أحيانًا تُتقن خداع صاحبها أكثر من أيّ أحد.
وقد قال فريدريك نيتشه:
مَن لديه سببٌ يعيش من أجله ؛ يستطيع تحمّل أيّ شيء تقريبًا”.
لكنّ المشكلة ليست دائمًا في التحمّل ، بل في : هل ما نتحمّله يستحقّ أصلًا؟
فالإنسان الواعي لا يقيس الأشياء بكمية الألم فقط، بل بجدوى هذا الألم.
فهناك تعبٌ يبنيك، وتعبٌ يفنيك.
وهناك صبرٌ يُنضجك، وصبرٌ يُهين روحك ببطء.
ولهذا ؛ كانت البصيرة أعظم من الذكاء؛
لأنّ الذكي قد يعرف الطريق، أمّا البصير فيعرف: هل يستحقّ الطريق أن يُسلك أصلًا؟
ويقول ابن القيم الجوزية:
“في القلب شعثٌ لا يلمّه إلا الإقبال على الله”.
فالإنسان مهما فهم الدنيا ؛ سيبقى ناقص الطمأنينة ما لم يستند إلى معنى أكبر من تقلّبات الحياة.
ولهذا جاء القرآن ليُهذّب اندفاعات النفس بين الحب والكراهية، فقال تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
إنّ النضج الحقيقي لا يعني ألّا تتألّم، بل أن تعرف لماذا تتألّم، ولأجل ماذا تصبر، ومتى يجب أن تتوقّف.
وفي النهاية ؛ ليست البطولة أن تتحمّل كلّ شيء، ولا الحكمة أن تُقاوم كلّ شيء،
بل أن تمتلك من الوعي ما يجعلك تُميّز بين ما يُصلحك ، وما يكسرك !!
كاتب رأي

