بين ختام الصيام ومطلع الحج

بين ختام الصيام ومطلع الحج
العشر التي تُربّي القلوب
عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست الأيام العظيمة في حياة المؤمن سواء، فبعض الأزمنة يفيض الله فيها من رحماته ما لا يفيض في غيرها، ويجعلها محطات لتجديد الإيمان، وإحياء القلب، واستنهاض الروح من غفلتها.
ومن أعظم تلك المواسم: العشر الأواخر من رمضان، والعشر الأوائل من ذي الحجة؛ عشران اجتمعتا في علو المنزلة، وافترقتا في الخصائص والأسرار، حتى بدت كل واحدة منهما وكأنها وجه آخر من وجوه التربية الإيمانية.
فالعشر الأواخر من رمضان ؛ تأتي في الثلث الأخير من الشهر المبارك، وكأنها ذروة الرحلة بعد طول مجاهدة، حيث يتهيأ القلب لوداع موسم الطاعة، ولذلك كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر “شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله” ؛ لأن “الأعمال بالخواتيم” ؛ ولأن لحظات الختام كثيرًا ما تختصر حقيقة الرحلة كلها.
أما العشر الأوائل من ذي الحجة ؛ فتأتي في الثلث الأول من الشهر، لا خاتمةً لموسم، بل افتتاحًا لموسم الحج والنسك والتكبير، حتى أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾،
وما أقسم الله بشيء إلا لعظيم قدره وعلو شأنه.
وفي العشر الأواخر من رمضان ؛ يبدو الليل سيد المشهد ؛ فالقيام، والتهجد، والاعتكاف، والسحر، ودموع الخلوات، كلها عبادات تنمو بعيدًا عن ضجيج الدنيا، حتى كأن هذه العشر تربي في الإنسان عبادة السر، وتعلّمه كيف يخلو بربه حين ينام الناس.
وفيها ليلة القدر التي قال الله عنها:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾،
أي إن ليلة واحدة قد تساوي في ميزان الله أكثر من ثلاث وثمانين سنة من العبادة.
أما عشر ذي الحجة ؛ فإن نهارها هو الميدان الأبرز؛ ففيه الصيام، والذكر، والتكبير، والصدقة، والحج، والنحر، وسائر الأعمال الصالحة التي قال عنها النبي ﷺ:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام».
وكأن رمضان يربّي القلب على الخلوة والصفاء، بينما تربي عشر ذي الحجة المسلم على إظهار الشعائر وتعظيمها.
ومن المعاني البديعة أن ليلة القدر ؛ جاءت وترية متنقلة، يجتهد المسلم في طلبها في الليالي الوتر، فلا يضمنها في ليلة بعينها، ليظل معلق القلب بالاجتهاد حتى آخر رمضان.
أما يوم عرفة ؛ فجاء ثابتًا معلومًا، تستعد له الأمة بموعد واضح، وكأن في ثباته رسالة طمأنينة وانتظار وشوق متكرر كل عام.
وفي ليلة القدر سرّ خفي لا يراه الناس، بينما في يوم عرفة مشهد ظاهر تهتز له الأرض بالتلبية والدعاء ودموع الواقفين على صعيد عرفات.
هناك ؛ تتجلى عبادة الخفاء، وهنا ؛ تتجلى شعيرة الاجتماع الأعظم للمسلمين.
ثم إن لكل عشر خاتمتها التي تحمل معنى الفرح المشروع ، فبعد العشر الأواخر ؛ يأتي عيد الفطر المبارك، عيد الجائزة بعد تمام الصيام والقيام، حتى قال بعض السلف: “إنما هو عيد من قُبل صيامه وطاعته”.
أما عشر ذي الحجة فتُختتم بعيد الأضحى المبارك، العيد الأكبر، المرتبط بالحج والنسك وذكر قصة الفداء العظيمة، واستحضار مقام التسليم لله كما فعل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.
ومن الفروق التي تكشف دقة التشريع الإسلامي أن الصيام في رمضان فرض واجب، هو أحد أركان الإسلام العظام، بينما الصيام في عشر ذي الحجة — وخصوصًا يوم عرفة لغير الحاج — مستحب عظيم الأجر، يقترب فيه العبد إلى الله حبًا وطواعية، لا إلزامًا وفرضًا. ولذلك كانت العلاقة بين الموسمين علاقة تكامل؛ فهذا موسم فريضة، وذاك موسم نافلة، وهذا يربي على الانضباط، وذاك يربي على المبادرة.
وقد أدرك السلف قيمة هذه المواسم إدراكًا عجيبًا؛ فكانوا يرون أن العمر الحقيقي ليس بعدد السنين، وإنما بعدد اللحظات التي يقترب فيها القلب من الله. قال ابن رجب رحمه الله: “السعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات” ؛ لأن النفحات الربانية ليست مجرد أوقات عابرة، بل أبواب نجاة قد لا تتكرر للإنسان كثيرًا.
ولعل من أجمل التأملات ؛ أن الله وزّع على عباده مواسم العبادة بين الليل والنهار، وبين الخفاء والظهور، وبين الصيام والنسك، حتى لا تبقى العبادة نمطًا واحدًا يعتاده القلب ثم يفتر عنه. ففي العشر الأواخر يعيش المؤمن سكينة المناجاة، وفي عشر ذي الحجة يعيش هيبة الشعائر ونداء التكبير الذي يملأ الآفاق.
وكأن الرسالة الكبرى في هذين الموسمين ؛ أن الطريق إلى الله لا يتوقف بانتهاء عبادة، ولا ينقطع بانقضاء شهر، بل يتجدد كلما أقبلت مواسم الطاعة. فمن خرج من رمضان بقلب حي، وجد في ذي الحجة امتدادًا لذلك النور، ومن عرف الله في القيام، عرفه كذلك في التكبير والنسك والدعاء.
وهكذا يبقى المؤمن متنقلًا بين مواسم الرحمة، مرةً تحت نور السحر، ومرةً تحت شمس عرفة، حتى يلقى الله وقلبه عامرٌ بالشوق والطاعة والرجاء.
كاتب رأي

