كُتاب الرأي

✍️ لا تستعجل.. فالقهوة في المؤخرة!

✍️ لا تستعجل.. فالقهوة في المؤخرة!

بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع

✔️ يُروى في حكاي طريفة متداولة بين الطيارين وعشّاق القصص الرمزية، كمشهد ساخر عن العمر والحكمة.. أن قائد طائرة مقاتلة كان يحلّق يوما قرب طائرة إيرباص ضخمة تمضي فوق الأطلسي بهدوء ووقار..وكان طيار المقاتلة في أوج حماسه.. فالسرعة عنده لغة، والمناورة توقيع، والسماء ملعب واسع لا يليق به البطء فاقترب من طائرة الإيرباص، ثم قال عبر اللاسلكي بنبرة لا تخلو من استعراض..
ـ مرحبًا يا إيرباص.. ألا تشعرون بالنعاس هناك؟ هل هذا طيران أم اجتماع مجلس إدارة معلّق في الجو؟
ثم لم ينتظر الرد واندفع بمقاتلته إلى الأعلى، فانقلب في الهواء، و هبط كالسهم، ثم دار حول نفسه، واخترق السحاب كأنه يريد أن يوقّع اسمه على صفحة السماء. وبعد دقائق من الألعاب البهلوانية عاد بجانب الطائرة الضخمة وقال مزهوا بنفسه..
ـ ما رأيك؟ أرأيت الطيران الحقيقي؟..فجاءه صوت قائد الإيرباص هادئا، باردا، مطمئنا، كأنه يتحدث من شرفة منزل لا من قمرة قيادة..ـ عرض جميل. والآن شاهدني..وشدّ طيار المقاتلة انتباهه ليراقب الإيرباص باهتمام وانتظر مناورة كبرى.
انتظر انحدارا مفاجئا..
انتظر حركة عبقرية لا يعرفها إلا أصحاب الطائرات العملاقة، لكن شيئًا لم يحدث..فقد بقيت الإيرباص تمضي في خطها الهادئ، مستقيمة، ثقيلة، واثقة، كأنها رجل تجاوز الخمسين ولم يعد يلتفت لمن يضغط على بوق السيارة خلفه..
مرّت خمس دقائق.
ثم عشر،،ثم خمس عشرة.
ولما كاد طيار المقاتلة يفقد صبره، عاد صوت قائد الإيرباص عبر اللاسلكي..
ـ حسنًا.. كيف وجدت العرض؟قال طيار المقاتلة في حيرة:
ـ أي عرض؟ ماذا فعلت؟
ضحك قائد الإيرباص وقال..
ـ نهضت من مقعدي، مددت ساقي، ذهبت إلى مؤخرة الطائرة، دخلت الحمام، شربت فنجان قهوة، وأكلت كعكة قرفة.. ثم عدت وأنت ما زلت تحاول إثبات أنك سريع.
✔️ هنا تنتهي الطرفة، وتبدأ الحكمة..فحين نكون صغارا، تبدو لنا السرعة بطولة، والضجيج حضورا، والأدرينالين دليل حياة.. نريد أن نصل قبل الجميع، وأن نُدهش الجميع، وأن نثبت في كل منعطف أننا قادرون على الدوران أكثر، والارتفاع أكثر، والاحتراق أكثر.
لكن “العمر”.. ذلك المعلّم الذي لا يشرح الدرس إلا بعد الامتحان، يعلّمنا شيئًا آخر.. أن الراحة ليست هزيمة، والهدوء ليس ضعفا، والبطء أحيانًا ليس عجزا..وإنما هو اختيار من جرّب السرعة بما يكفي..وهذا ما تلخصه العبارة الساخرة..
S.O.S
Slower – Older – Smarter
أبطأ.. أسنّ.. أذكى.
وهي ليست دعوة إلى الكسل، ولا اعتزالًا للحياة، لكنها تذكير بأن ما تبقى من الرحلة لا يستحق أن نستهلكه كله في المناورات. فبعض الانتصارات لا تحتاج إلى سرعة خارقة، ولكن إلى مقعد مريح، ونَفَس هادئ، وقهوة في موعدها.
✔️ إلى الأصدقاء الذين جربوا الاندفاع بما يكفي، وداروا حول أنفسهم طويلًا لإقناع العالم بأنهم قادرون..ربما آن الأوان أن نخفف السرعة قليلًا، لا لأن الطريق انتهى، ولكن لأننا أخيرا فهمنا كيف نستمتع به.
فالسنوات لا تجعلنا أبطأ فقط..لكنها -أحيانا- تجعلنا نعرف متى لا يستحق الأمر أن نركض أصلًا.

كاتب رأي

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.