كُتاب الرأي

✍️”الأندريّا” المظلومة.. عن الرجل الذي ينهار بصمت

✍️”الأندريّا” المظلومة.. عن الرجل الذي ينهار بصمت

بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع

✔️ليس الرجل كما تصوره بعض الأحكام السطحية كائناً جامداً لا يشعر، ولا قلباً غليظاً لا يتأثر..إنما هو في حقيقته يحمل عاطفة واسعة قد تكون أعمق بكثير مما يرتسم على ملامحه، غير أن المجتمع صاغه غالباً على الكتمان، ولقنه منذ نعومة أظفاره أن الرجولة تقتضي الصبر، وضبط الانفعال، وإخفاء الوجع.. لذلك، لا تظهر عاطفة الرجل دائماً في فيض الكلام أو الشكوى، لكنها تتجلى في قدرة التحمل، وفي السعي المستمر، وفي الصبر المر على ما يؤلمه.. فهو لا يفتقر إلى الإحساس، وإنما يفتقر في أحيان كثيرة إلى المساحة الآمنة التي تسمح له أن يبوح دون أن يُحاكم، أو يضعف دون أن يُنتقص من شأنه..ويرى علم النفس أن الرجل قد يكون شديد الحساسية تجاه التقدير والاحترام، فتتأثر كرامته النفسية بعمق حين يُقابل جهده بالجحود، أو تُسفّه تضحياته، أو يُستفز بما يمس جوهر رجولته ومكانته، ولهذا فإن أكثر ما يرهقه داخل بيته ليس تضاعف المسؤوليات وحدها، وإنما شعوره بأن ما يقدمه يمر دون أن يُرى، وأن تعبه لا يُقدر، وأن وجوده لا يمنح ما يستحق من توقير. والرجل، رغم قوته الظاهرة، لا يبحث في بيته عن معركة جديدة، إذ يكفيه ما يواجهه خارج البيت من صراع وضغط ومنافسة،
✔️ لذلك يميل غريزياً إلى الهدوء، ويتجنب الخلاف مع المرأة لا ضعفاً، وإنما رغبة في حفظ السكينة، وقد يترك لها التصرف في شؤون البيت والأولاد ظناً منه أن هذا الانسحاب يحفظ الاستقرار، رغم أنه قد يتحول إلى خطأ حين يغيب دوره كشريك أساسي، فالأب ليس ضيفاً، وأثره في بناء توازن الأسرة لا يقل أهمية عن دور الأم..
ومن الناحية الاجتماعية، يظل الرجل محكوماً بصورة قاسية تطالبه بالصلابة المطلقة.. صامتاً عند الألم، متماسكاً عند الانكسار، مما يدفعه لكتمان ما يختلج في صدره والمعاناة في صمت طويل لا يراه أحد. وفي المقابل، تبدو المرأة أقدر على التعبير عن وجعها عبر الصراخ أو العتاب أو البكاء، وهي بذلك تفرغ شحنة ألمها، أما الرجل فقد يبتسم وهو مثقل، ويصمت وهو موجوع، ثم ينسحب بهدوء كي لا ينهار أو يجرح أحداً. وليس غفرانه السريع دليلاً على أنه لم يتألم، كما أن هدوءه لا يعني برودة قلبه، بل قد يهدأ بسرعة كراهيةً في إطالة الخصام، وقد يغفر ميلاً منه لتجاوز العاصفة لا للبقاء في وسطها، لكنه في المقابل لا ينسى أبداً الكلمات التي خدشت كرامته، ولا اللحظات التي شعر فيها أن جهده بات موضع استهزاء.
✔️وفي الحب، يميل الرجل الصادق إلى الثبات.. فقد لا يجيد الكلام المنمق ولا يحسن شرح ما بداخله في كل مرة، لكنه يثبت وجوده بالموقف، والحماية، والوفاء، فعاطفته لا تتبدل متى شعر بالأمان والاحترام، وما يطفئ وهجه ليس اختلاف الرأي، وإنما الاستفزاز المستمر والتقليل من قدره وتحويل العلاقة إلى ساحة لاختبار صبره. حتى في تجربة الطلاق، لا يكون الرجل دائماً أقل ألما، وإن بدا هو صاحب القرار؛ فقد يتأخر حزنه ويتوارى خلف قناع المكابرة، ثم يظهر جلياً حين يهدأ الضجيج ويواجه فراغ البيت وتبدل دوره، وهنا تلتقي علوم النفس والاجتماع على حقيقة أن الرجل لا يتألم بصوت مرتفع، لكنه يتألم بعمق قد يفوق التوقعات.
إن إنصاف الرجل لا يعني تبرئة أخطائه، كما أن فهم صمته لا يعني قبول تقصيره، لكنه يعني أن نراه إنساناً كاملاً، لا مجرد آلة إنتاج أو جداراً لا يتصدع، فهو قلب يحتاج إلى احترام، ونفس تشتاق للسكينة، وكرامة لا تحتمل الإهانة. ولعل هذا هو المعنى الأصدق لما سماه اليونان قديماً “الأندريّا”؛ أي شجاعة النفس وقوة الثبات، التي لم تكن في جوهرها قسوة قلب أو موتاً للشعور، وإنما هي قدرة الإنسان على احتمال الألم دون أن يفقد نبله، وعلى حفظ اتزانه حين تمتلئ روحه بما لا يقال.
✔️هكذا تبدو الأندريّا في الرجل المظلوم في فهم الناس له.. صمت لا يعني البرود، وقوة لا تنفي العاطفة، وهدوء لا يلغي الوجع؛ رجل قد ينهار من الداخل، لكنه يظل واقفاً كي لا ينهار البيت كله، والبيت الذي يفهم هذه الحقيقة يصبح أكثر رحمة واتزاناً، فالعلاقة الناجحة تقوم على فهم متبادل يحفظ الكرامة ويصون المودة، فحين يُقدر الرجل يزداد عطاءً، وحين يجد في بيته ملاذاً لا ساحة حرب، يصبح أكثر حضوراً وحباً وقدرة على البناء.

كاتب رأي 

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى