نادي القصة

خلف زاوية القصر…

خلف زاوية القصر…

زايدة حقوي

…………………………………..
حيث ما زالت الجدران تحفظ ما لا يُقال.

عادت إلى كرسيها المفضل، وقد غطّاه الغبار كطبقةٍ من غيابٍ طويل.
جلست وكأنها لم تبتعد يومًا، وكأن المكان لم يتغيّر، بل هي التي تغيّرت بصمت.

مدّت قدميها على سجادتها الملوّنة…
فابتسمت الذكرى في داخلها؛
فما زالت كما كانت: حقل زهورٍ لا يذبل في الذاكرة.

رفعت بصرها نحو النجفة…
فوجدت بريقها قد خبا، كما خبا شيءٌ فيها منذ زمن.
والريح تمرّ على نوافذ القصر الكبيرة، كأنها تُعيد فتح أبواب الماضي.

لا أحد…

أغمضت عينيها،
فاندفعت الذكريات بهدوءٍ موجع:
ركضها في الممرات، رائحة الحساء المفضل، نهوضها مع الفجر، ومسابقتها الشمس في الحقل المجاور…
حنان أم، وعنفوان أب، أصوات عصافير، وأوراق شجرٍ كانت تلهو مع الريح.

يا لها من أيام…
تبدّد كل شيء حين تسلّل الخوف والقسوة،
وغادرت البهجة كما لو أنها لم تكن.

غادرت مُجبرةً إلى عالمٍ آخر،
لا يشبهها ولا يشبه القصر الذي تركته خلفها.

لكنها لم تنسَ… ولم تختفِ.
كان الحنين يسكنها بهدوءٍ عنيد،
يدفعها من عمق الغياب حتى عادت.

غير أن الرجوع جاء متأخرًا…
لم يرمّم شيئًا،
بل أيقظ الجرح، وجعل الذكرى أكثر حضورًا من المكان.

وفي زاوية القصر…
كان هناك ما يشبهها،
ولا يُقال.

كاتبة ومؤلفة وقاصة  

 

 

زايده علي حقوي

كاتبة ومؤلفة وقاصة ومشرفة الخواطر والقصة القصيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى