✍️ “كونكوروديا” الفهم..
✍️ “كونكوروديا” الفهم..
سيكولوجيا المرأة بين السكن والقلق
بقلم/ د. عبدالإله محمد جدع
✔️ ليست المرأة لغزا عصيّا على الفهم كما يشاع، وإنما هي كائن إنساني عميق، تتداخل في تكوينه الفطرة والتربية والخبرة والجراح الخفية، وتجتمع في داخلها الحاجة إلى الأمان مع الرغبة في التقدير، والحنان مع الكبرياء، واللين مع الخوف من الانكسار.. ومن هنا قد يبدو بعض سلوكها متناقضا في الظاهر، فتبتعد أحيانا عمن يزداد قربا، وتنجذب أحيانا إلى من يشحّ باهتمامه.. وليس ذلك قانونا عاما، لكنه سلوك يمكن فهمه إذا نظرنا إلى الداخل لا إلى المظهر وحده..
فالمرأة لا تنفر من القرب لأنه قرب، ولا تتعلق بالبعيد لأنه أحق بالمحبة، لكن الشعور قد يضطرب حين تختلط الحاجة بالخوف، فتتوهم النفس أن ما يتعب القلب أعمق أثرا، وأن ما يقل حضوره أعلى قيمة.. وهنا يفسر علم النفس ميل النفس غير المطمئنة إلى العلاقات المربكة، إذ تلتبس عليها الطمأنينة بالفتور، ويلتبس عليها القلق بالحياة، فتمضي نحو من لا يعبأ بها، لا حبا فيه دائما، وإنما سعيا إلى انتزاع الاعتراف من موضع البخل، وكأنها تريد أن تنتصر لجرح قديم لم يندمل، أو أن تثبت لنفسها أنها جديرة بالاهتمام..
✔️ وهذه الحال يمكن أن تسمى فلسفيا “إيروس”، وهي لفظة إغريقية تشير إلى انجذاب مشوب بالنقص والاشتعال، حيث لا يطلب القلب السكينة بقدر ما يطلب ما يوقظه ويقلقه.. وفي تكوين المرأة رهافة تجعلها أسرع التقاطا للإشارة، وأشد التفاتا إلى التفاصيل، وأكثر ميلا إلى البوح حين تشتد الضغوط، لا ترفا في الكلام ولا شغفا بالشكوى، وإنما لأن الحديث عندها وسيلة لتخفيف ما يثقل النفس وترتيب فوضاها الداخلية.. فهي حين تتكلم تطلب احتواء يهدئ اضطرابها، وحين تغوص في التفاصيل فإنها تقرأ بها حرارة الاهتمام وصدق الحضور..
غير أن هذه الرهافة قد تنقلب عبئا إذا لم يهذبها النضج، فتتسرع العاطفة قبل اكتمال الفهم، ويميل القلب إلى اللهفة قبل استقرار البصيرة، فتظن أن الحب الذي يؤلم أصدق من الحب الذي يطمئن، مع أن المعاناة قد تكون أثرا من آثار الاعتياد على القلق لا علامة على صدق المحبة.. وهنا تلتقي النفس بالحكمة، لأن الإنسان إذا لم يتصالح مع نقصه الداخلي اتجه يطلبه في الخارج على هيئة تعلق ومطاردة لما لا يستحق..
✔️ ثم تأتي أزمة أخرى أشد خفاء، حين تتنصل المرأة من أنوثتها وعاطفتها، وكأن الرقة نقص، وكأن الحاجة إلى الحنان ضعف.. ومع ما تردده بعض الأصوات النشاز من دعوات إلى استقلالية مبتورة توهم المرأة أن اكتمالها يكون في الاستغناء التام، تغيب حقيقة الفطرة.. فالاستغناء المادي لا يلغي الافتقار الوجداني، والقدرة على إدارة الحياة لا تطفئ حاجة الروح إلى السكن.. والمرأة، مهما بلغت من علم أو مال أو مكانة، تبقى في أعماقها محتاجة إلى الأمان والاحتواء، كما أن الرجل، مهما بدا قويا، يبقى محتاجا إلى الرحمة وسكينة القرب..ومن هنا يظهر معنى “كونكوروديا”، وهي لفظة لاتينية تشير إلى الانسجام المتولد من التوافق لا من الغلبة، ومن التكامل لا من التنازل.. وهذا هو المعنى الذي تفتقر إليه النظرة الخاطئة التي تحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى ساحة منافسة، مع أن الحياة لا تستقيم إلا حين يكون كل منهما للآخر سكنا ومودة ورحمة..
✔️ ولهذا فإن المرأة لا تزهر في مطاردة السراب العاطفي، ولا في التنكر لطبيعتها، وإنما تزهر حين تتصالح مع حقيقتها، فتفهم أن أنوثتها سر جمالها، وأن عاطفتها إذا تهذبت صارت بصيرة، وأن حاجتها إلى السكن العاطفي لا تنقص من قدرها، كما أن حاجة الرجل إلى المودة لا تنتقص من رجولته.. هناك فقط تستقيم موازين الشعور، ويهدأ القلق، ويعود الحب إلى صورته الصحيحة.. سكن يطمئن لا لهفة تستنزف.. وفي النهاية تبقى المرأة، كما الرجل، مخلوقا لا يكتمل معنى حياته إلا في دائرة السكن المتبادل، حيث لا غلبة ولا خصومة، وإنما شراكة تقوم على فهم الفطرة، ونبل الاحتياج، وسمو الرحمة..
