كُتاب الرأي

حين ينتهي الزواج… لا بد أن تبقى الكرامة

حين ينتهي الزواج… لا بد أن تبقى الكرامة

من أقسى ما قد تواجهه امرأة أن ينتهي زواجٌ أفنت فيه سنوات عمرها، ثم تجد نفسها تغادر بيتها وكأنها لم تكن يومًا شريكة حياة، وكأن كل ما قدمته من حبٍ وصبرٍ وتضحية قد أصبح بلا قيمة.
هناك نساء قضين أجمل سنوات أعمارهن في بناء بيت، وتربية أبناء، وتحمل مسؤوليات لا يراها أحد. تحملن التعب، والضغوط، وأحيانًا المرض، على أمل أن يبقى هذا البيت قائمًا، وأن ينشأ الأبناء في أسرة مستقرة.
ثم، حين يقرر الزوج أن تنتهي هذه الحياة، يكون أول ما يشغل الجميع: إلى أين تذهب؟ فتعود إلى بيت أهلها، لا لأنها اختارت ذلك، بل لأن الخيارات أمامها تضيق. ومع أن بيت الأهل يبقى ملاذًا آمنًا، وأن محبة الأهل لا يرقى إليها شك، فإن العودة بعد سنوات طويلة ليست أمرًا يسيرًا. فهي لا تعود تلك الفتاة التي خرجت يوم زفافها، بل تعود امرأةً أثقلتها التجارب، وأمًا تحمل هموم أبنائها قبل همومها، وقلبًا يحمل شيئًا من الانكسار.
ولذلك، فإن من الوفاء للعِشرة، ومن الإحسان الذي أمر الله به عند الفراق، ألا تُترك المرأة تواجه هذا المصير وحدها، بل يُوفَّر لها ما يحفظ كرامتها، ويصون استقرارها، ويعينها على ترميم ما انكسر في داخلها، بعيدًا عن الإذلال أو الانتقام.
ولا أقصد بهذا أن كل الرجال ظالمون، ولا أن كل النساء مظلومات؛ فالظلم لا جنس له. إنما أتحدث عن المرأة التي بذلت ما تستطيع للحفاظ على أسرتها، ثم وجدت نفسها تتحمل وحدها ثمن النهاية.
ولست أنادي بحرية تُفهم على غير حقيقتها، وإنما أنادي بحقوقٍ أقرها الدين قبل أن تنادي بها القوانين؛ بحق المرأة في الاحترام، وفي الكرامة، وفي ألا تُهان بعد سنواتٍ من العطاء. فالزواج ليس عقدًا يُستهلك ثم يُلقى، بل ميثاقٌ غليظ، وإذا كُتب له أن ينتهي، فليكن انتهاؤه كما أمر الله: ﴿فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾.
فالمرأة التي تغادر بيت الزوجية بعد سنواتٍ من العِشرة ليست شخصًا جديدًا، ولا صفحةً يمكن طيها ببساطة. إنها الإنسانة نفسها التي دخلت ذلك البيت يومًا بقلبٍ مليء بالأمل، وقد خرجت منه محمّلةً بما تركته السنوات من تعبٍ ومسؤوليةٍ وتضحية.
إن كانت قد ذبلت، فلأنها أفنت من عمرها ما يروي أسرتها، لا لأنها فقدت قيمتها.
فالوردة البيضاء التي حملها الزوج يوم زفافه، سعيدًا بها ومبتهجًا، هي الوردة نفسها بعد أعوام. ربما أثقلها الزمن، وأرهقها العطاء، لكنها لم تفقد جمالها ولا استحقاقها للتقدير. والوفاء الحقيقي ألا تُلقى جانبًا لأنها لم تعد كما كانت في أول الطريق، بل أن تُصان كرامتها، ويُحفظ حقها، ويكون الفراق ـ إن وقع ـ بإحسانٍ وعدل، ورحمةٍ تليق بعِشرةٍ جمعت بين قلبين، وبأبناءٍ سيبقون ثمرة تلك الحياة.
فالكرامة لا ينبغي أن تكون أول ضحايا الطلاق، لأنها حقٌ لا يسقط بانتهاء الزواج.

الجوهرة *

الجوهرة

كاتبة رأي وخواطر سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.