خواطر

مقطوعة من خلف الدمار

مقطوعة من خلف الدمار 

 على صفحات القدر أكتب عن حياةٍ أليمة، تعزفها أوتار الزمن، فترسل لحنًا حزينًا يعبر أمواج السمع إلى العالم بأسره. موسيقاه الآهات، وإيقاعه الوجع، وتوزيعه الألم. 

ولدتنا الحياة في أتون الحروب، بعد مخاضٍ عسير، فكان أول ما أبصرته أعيننا الدمار، وأول ما حفظته قلوبنا الفقد. 

بحثنا عن أملٍ بعيد يذيب الألم والعناء، ويعيد إلى أرواحنا شيئًا من الطمأنينة التي سُلبت منا قبل أن نعرف معناها. 

وعبر هذه السطور تنساب مفردات قلمي، لتروي حكايةً لم يخترها أصحابها: 

«على أرصفة الدمار كتبت عنوانًا: 

طفلٌ جريح يبوح بألمه، كشيخٍ أنهكه العمر. 

تتلقف أوراق الخريف آهاته المنكسرة، 

وتشاركه حزن الفصول.» 

تتساقط دموعه المُرّة كما تتهاوى أوراق أيلول الذابلة؛ فكلاهما كُتب له السقوط. 

الحروب والدمار والحياة خيوطٌ متشابكة، لا يكاد أحدها ينفصل عن الآخر. 

أما الجمال… فلم نكد نعرفه يومًا؛ فقدناه منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها أعيننا على هذا العالم. 

 

واقلباه! 

ما أفظع الموت في دنيا الحياة. 

في دنيا لم أعد أرى فيها وجه أمي وأبي، ولا ملامح إخوتي. 

كم اشتقت إلى عائلتي… 

هناك صوتٌ في داخلي لا يكف عن الصراخ: 

أشتاق إليكم… 

اشتقت إلى عائلةٍ لم يبقَ منها إلا الذكرى. 

واشتقت إلى طفولةٍ سرقها مني القدر. 

اشتقت إلى ألعابي، وإلى ضحكات الأطفال، وإلى زقزقة العصافير، وإلى كل صوتٍ كان يمنحني شعورًا بالأمان. 

سئمت الضوضاء… 

سئمت الرعب… 

وسئمت أن يكون الخوف رفيق أيامي. 

اشتقت إلى مقاعد الدراسة، وإلى الطريق الذي كان يقود إليها. 

أما الشارع… فقد أصبح مخيفًا، وتفاصيله كئيبةً إلى حدٍ لا يُحتمل. 

لكن قدري ألقى بي هناك منذ نعومة أظافري. 

إلى كل من ينظر إلينا من بعيد… 

إن كنت تراني إنسانًا يستحق الحياة، فهذا فضلٌ من الله. 

وإن كنت ترى غير ذلك، فليس هذا ذنبي. 

على صفحات القدر أكتب عن حياة الظلم التي نعيشها. 

فالقدر أسماني لاجئًا… 

وأسماني متسوّلًا… 

وأسماني مشرّدًا… 

وألبسني ألقابًا لا تليق بطفولتي. 

لكن… هل كان لي خيار؟ 

هويتي لم تعد تعرفني. 

لم أعد مواطنًا حرًا. 

سُلب مني الوطن، وسُرقت طفولتي، وغدت حدود المدن والطرقات موطني. 

الشارع المخيف مسكني. 

والعالم المتوحش أسرتي. 

عودي إليّ… أيتها الحياة التي أعرفها. 

عودي إليّ… أيها الوطن. 

فالعالم من دونك منحني أسماءً لا تشبهني. 

وفي الختام… 

يا عزيزي القارئ… 

لا تنظر إليّ كرقمٍ في نشرة أخبار، ولا كصورةٍ عابرة على شاشة. 

انظر إليّ وكأنني ابنك… 

طفلٌ يقف على حدود ذراعيك، ينتظر حضنًا يعيد إليه شيئًا من إنسانيته. 

 الجوهرة* 

 

 

الجوهرة

أديبة وكاتبة رأي وخواطر سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.