كُتاب الرأي

المواطنة على المحك

المواطنة على المحك

محمد الفريدي

لا يمكن كسب ثقتنا دون شعورنا بأن القوانين التي سنتها دولتنا تحمينا، وأن حقوقنا لا تتغير بتغير أسمائنا وألقابنا وأشكالنا وألواننا، وأن الفرص والمناصب لا تمنح على أساس علاقاتنا الشخصية، وأن المسؤولية ترتبط بمساواتنا جميعا أمامها، فلا يعفى هذا ويسجن ذاك.

وكلما ترسخت ثقتنا، تراجعت قابليتنا للتأثر بخطابات تستغل مشاعرنا بالإحباط والظلم واليأس، وأصبحنا أكثر قدرة على حماية وعينا، وتعزيز إيماننا بمؤسساتنا، والمشاركة في بناء وطننا.

وتشكل نهضتنا جزءا مهما من منظومة حماية وعينا، فحين نرى المشروعات تتحول إلى واقع، والفرص تتوسع، والمدن تتغير، والخدمات تتطور، والشباب يعملون في مجالات جديدة، نصبح أكثر قدرة على رؤية المرحلة المقبلة كفرصة للعمل لا لليأس.

وهذا لا يعني أن نتجاهل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وإنما يعني أن نتعامل معها كقضايا قابلة للاحتواء، ونواجهها بوعي ومسؤولية، ونحولها من مصادر للإحباط إلى فرص للتقدم والتطوير.

فالأوطان لا تبنى في يوم وليلة، والوصول إلى القمة ليس إعلانا نصل به إليها بمجرد صدوره، وإنما هو مسار طويل يحتاج منا إلى صبر وتطوير وتصحيح مستمر.

وبلادنا تمر اليوم بمرحلة متسارعة ومتنوعة من التحولات، وتحتاج إلى أن نكون عونا لها في هذه المرحلة، لا متفرجين عليها، والمواطن ليس رقما في خطط التنمية والتعداد السكاني، وإنما هو أحد أهم عناصر نجاحها، وحين نشعر بأن نجاحنا مرتبط بنجاحها، تتحول النهضة من مشاريع حكومية إلى ثقافة وطنية، ويصبح الاستثمار فينا أهم من أي استثمار.

أما المسامير التي نضعها في طريق رؤيتنا، فلا تعني أن هناك أعداء خارجيين يقفون خلف كل مشاكلنا، فهذه قراءة غير واقعية، وهناك أخطاء داخلية، واجتهادات تصيب وتخطئ، وقصور يحتاج إلى تدارك، ومسؤولون يخطئون في قراراتهم.

لكن أخطاءهم لا يجب أن نحولها إلى حكم نهائي على الوطن؛ فالفساد في مؤسسة لا يعني أن دولتنا فاسدة، والتعثر في مشروع لا يعني أن رؤيتنا فاشلة، والنقد لقرار لا يعني معاداة الوطن، وإنما يعني أن لدينا وعيا كافيا يمكننا من التمييز بين الخطأ وسبل منع تكراره، وبين الوطن الذي يجمعنا ويستحق منا أن نحافظ على منجزاته، ونواصل العمل من أجل مسيرته القادمة.

وهذه التباينات البسيطة في ظاهرها والعميقة في نتائجها هي التي تحمينا من إطلاق الأحكام المتسرعة، وتساعدنا على فهم مشكلاتنا بتجرد وحيادية، والتمييز بين الخطأ والمسؤول عنه، وبين الخلل وسبل تداركه، وبين نقد التجربة والحفاظ على ثقتنا بوطننا.

وأخطر خطاب هو الذي يأخذ حادثة واحدة ويحولها إلى مشهد يشوه واقعنا، أو يأخذ خطأ فرديا ويقدمه لنا باعتباره قاعدة، أو يحول قضية محدودة إلى دليل على إدانتنا وعدم قدرتنا على تجاوز مشكلاتنا، ويزرع فينا الشعور بالعجز واليأس، ويضعف ثقتنا بقدرتنا على التجديد والتقدم.

هذا النوع من الخطابات لا يسعى إلى الحل، وإنما يسعى إلى زراعة اليأس، والأوطان التي تفقد الأمل تفقد جزءا كبيرا من قدرتها على بناء مستقبلها، ولذلك يجب أن نكون واضحين: مواجهة الفساد لا تعني فقدان الثقة في الوطن، وإنما تعني حماية الوطن من الفساد.

ومحاسبة المقصر لا تعني إضعاف مؤسسات الحكم، وإنما تعني تقويتها، وتدارك الخلل لا يعني التشكيك في مسيرة الوطن، وإنما يعني حماية مسيرتنا من أسباب التعثر والخروج عن النهج السليم، وكشف الخلل لا يعني تشويه منجزاتنا، وإنما يعني تقويم مساراتنا، والاختلاف في الرأي لا يعني انشقاقنا عن الوطن.

نحن لا نحتاج إلى مجتمع يخشى السؤال، وإنما إلى مجتمع يعرف كيف يطرح السؤال، ولا نحتاج إلى إعلام يخفي الأخطاء، وإنما إلى إعلام يضعها في إطارها الصحيح ويبحث لها عن حلول.

ولا نحتاج إلى مثقف يصفق لكل شيء، وإنما إلى مثقف يمتلك شجاعة الكلمة ووضوح الرؤية، ولا نحتاج إلى مواطن يرى وطنه مثاليا، وإنما إلى مواطن يعرف أن وطنه يمكن الارتقاء به، وأن مسؤوليته لا تنتهي عند النقد، وإنما تبدأ بالمساهمة والعمل.

وتستطيع دولتنا مواجهة الخطر على حدودنا بالقوة العسكرية، وحماية اقتصادنا بالأنظمة والمؤسسات الرقابية، لكنها لا تستطيع حماية مستقبلنا إذا استسلمنا لفكرة الخوف والعجز، فالمستقبل لا تحميه القوة وحدها، وإنما يحميه مجتمع يؤمن بقدرته على البناء، ويمتلك الوعي والشجاعة والقدرة على صناعة الغد.

ولهذا فإن رفع مستوى الفهم ليس قضية ثانوية، فهو جزء من الأمن الوطني، والثقة ليست مجرد قناعة شخصية، وإنما قوة اجتماعية مؤثرة، والأمل ليس كلمة جميلة، وإنما طاقة متجددة تحفزنا على العمل.

إن بلادنا تريد أن تصنع مستقبلا لمواطنين يؤمنون بأن المستقبل يستحق أن تبنيه بلادهم من أجلهم، ولمؤسسات تحميهم بالإنجاز والعدالة والمحاسبة، ولإعلام ومثقفين يواجهون الأكاذيب بالأدلة والحقائق، ويعززون الوعي بالالتزام والمسؤولية، لا بالتجاهل والصمت.

فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط على الأرض، وإنما تمتد أيضا إلى الفكرة والصورة والرواية، وإلى قدرتنا على التفريق بين الخطأ والصواب، والتمييز بين الحقيقة والوهم.

ومن يخسر هذه المعركة يملك كل شيء على الورق، ومن يكسبها يملك أهم ما لدينا: إيماننا بوطننا، وقدرتنا على صناعة مستقبلنا، واستعدادنا لتحمل مسؤولية بنائه وحمايته والدفاع عنه عند الخطر.

وعندما نصل إلى هذه المعادلة، ندرك أن المسؤولية متبادلة بيننا وبين الوطن، ونتجاوز حدود الفلسفة والتنظير، ونصوغ أسلوب حياتنا على طريقتنا بما يضمن استدامة هذا البناء الحصين الذي شيده الأوائل، ونحافظ عليه بالوعي والعمل، ونواصل مسيرته بالإنجاز والعطاء، وَنُوَرِّثُهُ للأجيال القادمة أكثر قوة واستقرارا مما وَرِثْنَاهُ.

إن حماية وعينا تتطلب منا جميعا الإيمان بأن صناعة مستقبلنا حقيقة نراها ونلمسها اليوم في واقعنا اليومي، من خلال العطاء الصادق والمبادرات الإيجابية.

وتتجسد مسيرتنا في وعينا بحقوقنا وواجباتنا، وفي تحويلها إلى إنجاز ومسؤولية ومشاركة في بناء الوطن، فالوطن لا يبنى بالهتافات والمظاهرات، وإنما بما نقدمه له من عطاء صادق ومشاركة حقيقية.

والوطن لا ينهض إلا بتضافر سائر طاقاته البشرية، وبناء بيئة تتسيدها الحقيقة، ويغلب عليها تقديرنا للمنجزات المتحققة، والشجاعة في تصحيح أوجه القصور، فالنهضة الحقيقية تبدأ عندما يصبح وعينا سلوكا يوميا، والعمل من أجل وطننا قناعة راسخة لا موقفا موسميا.

إن مسيرتنا التنموية لا تتوقف عند مرحلة معينة، وتقتضي استدامة وعينا وعملنا الدؤوب، وتعميق يقيننا بأن الرهان علينا هو الرهان الصحيح والأجدى في مواجهة مختلف التحديات.

ومستقبل وطننا يصنعه أبناؤه بوعيهم وعملهم وإصرارهم على الإنجاز، وكلما ازداد وعينا بمسؤوليتنا، ازدادت قدرتنا على حماية منجزاتنا، وصناعة مستقبلنا بما يحقق قوتنا واستقرارنا وازدهارنا.

وعندما نستشعر القيمة الحقيقية لبصمتنا وحجم أثرنا، يصبح استقرارنا واقعا ملموسا في حياتنا، ومستقبلنا مشرقا نصنعه بأيدينا المخلصة، ونصونه بعقولنا الواعية، ونحميه بمسؤوليتنا المشتركة تجاه أنفسنا وأجيالنا القادمة.

ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية؛ فلا يكفي وحده أن نُوقِن بمستقبلنا، وإنما علينا أن نثبت كل يوم أننا جديرون بصناعته، وقادرون على حمايته والحفاظ على منجزاته.

نحن لا نملك القدرة على الوقوف على هامش المتغيرات، ولا نستطيع أن نطلب مستقبلا مختلفا بعقلية ترفض التجديد، أو بسلوك ينتظر من الآخرين إنجاز كل شيء بالنيابة عنا.

فالمستقبل لا ينتظر المترددين، وإنما يصنعه الذين يملكون شجاعة التطوير، ويترجمون إيمانهم بوطنهم إلى عمل وإنجاز ومسؤولية، ويحولون طموحاتهم إلى واقع يحفظ مكتسباتنا، ويعزز قوتنا، ويفتح لأجيالنا القادمة آفاقا واسعة من النجاح والازدهار.

فنحن شركاء في النتيجة، ومسؤولون عن مقدار أثرنا فيها، وما ننتظره من مؤسساتنا يجب أن ننتظره من أنفسنا أيضا: انضباطا، وإتقانا، واحتراما للنظام، وحرصا على المال العام، وإسهاما حقيقيا في بناء الوطن.

ومواجهة المحسوبية والمحاباة واستغلال النفوذ، وشجاعة في التنبيه إلى الخلل، وحرصا على ألا تتحول مصالحنا الشخصية إلى مقاييس نقيس بها الصالح العام، ومبررا نقدم به مكاسبنا الخاصة على المصلحة الوطنية.

وأكثر ما يهدد أمننا أن نمارس ازدواجية المعايير؛ ندين الفساد عندما يطال غيرنا، ونبحث له عن أعذار عندما يخدم مصالحنا. فالمعيار الحقيقي يبدأ عندما نُطَبِّقُ المبدأ نفسه على أنفسنا قبل أن نُطَبِّقَهُ على الآخرين.

نطالب بالعدالة عندما تكون في صالحنا، ونسعى إلى الالتفاف عليها حين لا تنسجم مع رغباتنا الشخصية، وننسى أنها لا تكون عادلة إلا عندما نقبل بها حتى عندما لا تخدم مصالحنا.

وننتقد ضعف أداء الآخرين، ونتسامح مع تقصيرنا في أعمالنا، ونغض الطرف عن أخطائنا عندما تمس مصالحنا، ثم نطالب الآخرين بالالتزام بالمعايير التي لا نطبقها على أنفسنا.

وهذا الكيل بمكيالين لا يبني مجتمعا قويا، ولا يصنع دولة قوية تحقق أهدافها؛ لأن قوة مجتمعنا تبدأ من توافق سلوكنا مع القيم التي نطالب الآخرين بالالتزام بها.

ونحن بحاجة إلى شجاعة مسؤولة تبدأ من داخلنا وتمتد إلى من هم حولنا، ونُقَيِّمُ أنفسنا قبل أن نُقَيِّمَ الآخرين، وأن ندرك أن احترامنا للنظام ليس خوفا من العقوبة، وإنما هو احترام لمبدأ العدالة التي نطالب بها جميعا.

وعلينا أن نعيد تعريف النقد؛ فالنقد الذي يبحث عن الحقيقة قوة، والذي يتحول إلى تشهير هدم، ونحن لا نحتاج إلى تضخيم أخطاء الوطن لإثبات شجاعتنا، ولا إلى دفنها لإثبات ولائنا.

نحتاج إلى وضعها نصب أعيننا بحجمها الحقيقي، ثم نواجهها بالكلمة دون تهويل أو نفي، ونحدد الخلل ومسؤوليته، ونقترح الحل، بدلا من تحويل الخطأ إلى ظاهرة عامة أو استخدامه لإحباط الجميع.

ومن الخطأ أن نسمح للبعض في منصات التواصل أن يُنَصِّبُوا أَنْفُسَهُمْ قضاة لمحاكم التفتيش، يصدرون أحكامهم علينا وعلى دولتنا في دقائق، أو أدوات لإعادة تدوير الشائعات.

فالكلمة مسؤولية، وإعادة نشرها موقف، والصمت أمام أكاذيب المُضَلِّلِينَ يمنحهم مساحة أكبر مما يستحقون، ونحن في مرحلة لا تحتمل اليقظة المجتزأة، ولا الوطنية الموسمية، ولا الحماس الذي ينتهي عند أول موقف صعب.

ونحتاج إلى كاتب مسؤول يعرف متى يختلف، ومتى يُنَبِّهُ، ومتى يدعم، ومتى يرفض، ومتى يصر على التعديل والتقويم والتصويب دون أن يفقد بوصلته الوطنية.

ومستقبلنا لن تحميه الشعارات، وإنما يحميه جيل يعرف قيمة ما حققناه من أجله من منجزات، ويدرك حجم ما ينتظره في الغد، ويواجه الحقيقة دون خوف، ويتحمل المسؤولية دون تردد.

ونحن أمام مرحلة تاريخية، ومن الخطأ أن نتركها تحت وطأة الخوف والتشكيك وَالتَّوَجُّسِ، وعلينا أن نواجهها بوعي راسخ، وثقة، ومسؤولية تصنع المستقبل وتحمي المنجزات.

فالأوطان العظيمة لا تصنعها الظروف وحدها، وإنما يصنعها أبناؤها عندما تتحول أفكارهم إلى سلوك، وثقتهم إلى إنجاز، واختلافهم إلى حوار، ومسؤوليتهم إلى التزام، ونحن لا نحمي وطننا بالقول وحده، وإنما نحميه بمواقفنا عندما تكشفنا الظروف والمصالح.

أما الوطنية التي تظهر في الاحتفالات وتختفي عند التحديات، فلا تصنع مواطنا ولا مستقبلا، وإنما تصنع مظهرا هَشًّا لا يصمد أمام المواقف الصعبة، ونحن مطالبون بأن نكون صريحين مع أنفسنا، فلا فساد بلا مستفيد، ولا تجاوز بلا متهاون، ولا خلل يستمر دون صمت يحيط به ويسمح له بالبقاء.

لذلك تبدأ حماية وطننا من رفضنا للتبرير، ومن قدرتنا على تسمية الخطأ باسمه، ومطالبة المسؤول عنه بتحمل مسؤوليته، وتصحيحه ومحاسبته، والتفريق بين نقد الخطأ والوقوف ضد الوطن.

نحن نريد دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمعا قويا بوعيه، ومواطنا لا يبيع ضميره ووطنه بكيلو (موز)، ولا يسمح لمصلحته الشخصية أن تتغلب على مسؤوليته الوطنية، ولا يتخلى عن مبادئه عندما تتعارض مع مصالحه، ولا يصمت على الخطأ خوفا من خسارة منفعة شخصية على حساب مصلحة الوطن.

مواطنتنا على المحك، ولا نعرف قيمتها إلا عندما نحولها من شعار نردده إلى مسؤولية نعيشها، ومواقف نحمي بها وطننا، ووعي نصنع به مستقبلنا، وإرادة تجعلنا شركاء في إنجازاته وأمنه واستقراره وازدهاره، ونثبت أن حب الوطن ليس ما نقوله عنه، وإنما ما نقدمه له من عمل والتزام وصدق.

فالوطن الذي نريد أن نحميه ونفتخر به، لا يحتاج لمشاعر موسمية، وإنما يحتاج لمواقف صادقة تظهر قيمتها عندما تكون مسؤوليتنا أهم من المديح والكلام ومظاهر الولاء.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.