لا تمنح الآخرين مفاتيح انفعالك

لا تمنح الآخرين مفاتيح انفعالك
يمتلك الإنسان في داخله مساحة لا يصل إليها أحد، مساحة تتشكل فيها قراراته ومواقفه وانفعالاته. وحين يحافظ على هذه المساحة، يحتفظ بجزء عميق من حريته. وحين يسمح للآخرين باقتحامها، يصبح مزاجه رهين كلمة، وهدوءه تابعًا لموقف، وقراره أسيرًا للحظة انفعال.
كثيرون يعيشون أسرى لردود أفعالهم. يستفزهم شخص فيرتفع صوتهم، ويتجاهلهم آخر فيتغير مزاجهم، وتأتي كلمة جارحة فتدفعهم إلى رد يتجاوز حجم الموقف. هنا تكمن المشكلة؛ لأن الإنسان حين يستجيب للانفعال قبل أن يفهمه، يمنح الطرف الآخر قدرة على توجيه سلوكه من حيث لا يشعر.
النضج يبدأ من لحظة مختلفة؛ لحظة يدرك فيها الإنسان أن استفزاز الآخرين لا يستحق أن يتحول إلى اضطراب داخلي. يستطيع المرء أن يغضب، وأن يشعر بالألم، وأن يرفض الإساءة، ثم يحتفظ مع ذلك بقدرته على الاختيار. المشاعر جزء من التجربة الإنسانية، أما القرار فيحتاج إلى عقل يرى المشهد كاملًا قبل أن يتحرك.
تتصل هذه الفكرة بجوهر فلسفة فيكتور فرانكل وهو عالم نفس نمساوي مؤسس نظرية وجودية المعنى ؛ فقد رأى أن الإنسان يحتفظ بمساحة من الحرية بين ما يحدث له والطريقة التي يستجيب بها. قد تضيق الخيارات أمامه، وقد تشتد الظروف، وقد يواجه سلوكًا يستفز أعصابه، غير أن موقفه يظل مجالًا يستطيع أن يمارس فيه إرادته. ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: أن تختار استجابتك بدل أن تترك الانفعال يختارها عنك.
ثمة فرق كبير بين ضبط الانفعال وكبت الشعور. الكبت يحبس الإحساس حتى يتراكم، أما الضبط فيمنح الشعور حقه ثم يمنع اندفاعه من صناعة القرار. تستطيع أن تغضب دون إساءة، وأن تختلف دون تجريح، وأن تضع حدًا للتجاوز دون أن تنحدر إلى أسلوب صاحبه.
بعض الأشخاص يبحثون عن نقطة ضعفك أكثر مما يبحثون عن حقيقة الموقف. يكررون العبارة التي تعرف أنها تستفزك، أو يعيدون التصرف الذي يثير غضبك، ثم ينتظرون النتيجة. فإذا انفعلت، حصلوا على ما أرادوا. وإذا حافظت على اتزانك، فقدت محاولتهم تأثيرها.
لهذا يصبح التحكم في الاستجابة نوعًا من القوة الهادئة. لا تحتاج كل كلمة إلى جواب، ولا يستحق كل استفزاز مواجهة، ولا تمنح كل شخصية حق الدخول إلى أعماقك. بعض المواقف تنتهي حين ترفض منحها المزيد من طاقتك.
والصمت في بعض اللحظات أكثر حضورًا من الكلام. ليس صمت العاجز، وإنما صمت الإنسان الذي فهم اللعبة ورفض المشاركة فيها. يعرف متى يتحدث، ومتى يغادر، ومتى يترك للوقت مهمة كشف ما عجز النقاش عن كشفه.
مع التجربة، يتعلم الإنسان أن خسارة هدوئه قد تكلفه أكثر من خسارة الجدال نفسه. كلمة خرجت في لحظة غضب قد تهدم علاقة، وموقف متسرع قد يترك أثرًا طويلًا، ورد فعل قصير قد يمنح خصمًا صغيرًا مكانة أكبر من حجمه.
لذلك يستحق كل موقف سؤالًا بسيطًا قبل الاستجابة:
هل يستحق هذا الأمر أن أمنحه شيئًا من سلامي؟
هذا السؤال وحده يستطيع تغيير كثير من ردود الأفعال؛ لأنه يعيد القرار إلى صاحبه. بدل أن تسأل: ماذا قال؟ وماذا قصد؟ وكيف أرد عليه؟ يصبح السؤال: ما الموقف الذي يعبر عني؟ وما التصرف الذي سأحترم نفسي عليه غدًا؟
هنا تتغير العلاقة مع الآخرين. لا يعود الإنسان بحاجة إلى إثبات قوته في كل نقاش، ولا إلى الدفاع عن نفسه أمام كل تأويل، ولا إلى الرد على كل استفزاز. يعرف قدره، ويعرف حدوده، ويختار معاركه بعناية.
أخطر ما يمكن أن تمنحه لشخص يريد استفزازك أن تجعله قادرًا على تغيير مزاجك متى شاء. حين يعرف مفتاح غضبك، يستطيع أن يحركك به. وحين يحتفظ هذا المفتاح في يدك، تبقى أنت صاحب القرار.
القوة الحقيقية لا تظهر حين تستطيع إخضاع الآخرين لانفعالك؛ تظهر حين تستطيع حماية نفسك من الانفعال الذي يريد الآخرون إشعاله فيك. عندها يصبح هدوؤك موقفًا، وصمتك اختيارًا، وكلماتك نتيجة وعي، وليست استجابة تفرضها المشاعر الآنية.
آخر الكلام:
لا تمنح الآخرين مفاتيح انفعالك. احتفظ بمفتاح نفسك؛ فكلما امتلكت قدرتك على الاختيار، اتسعت حريتك، وازدادت هيبتك، وصار الآخرون عاجزين عن دفعك إلى مكان لا يشبهك.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي
