كُتاب الرأي

دود الخل

دود الخل

حين تتحول مأساة اليمن إلى متاجرة

في اليمن، لم تعد المأساة مجرد حصيلة لصراع طال أمده، فقد تحولت مع مرور السنوات إلى قضية مفتوحة تتقاطع عندها المصالح والحسابات والشعارات. وبينما يدفع المواطن اليمني ثمن الحرب من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه، تظهر أصوات سياسية تتحدث باسم الشعب، وترفع راية قضيته، ثم تجعل من معاناته وسيلة للحضور والمساومة وتحقيق المكاسب. وهنا يحضر المثل العربي القديم: «دود الخل»؛ ذلك الذي ينشأ داخل الخل ويعيش فيه، ثم يفسده من داخله.

أقول والحق يقال إن الشعب اليمني لا يحتاج إلى مزيد من المتاجرة بمصيره، فقد أنهكته سنوات الصراع والانقسام وتراجع الاقتصاد والخدمات ولم يعد بحاجة إلى صراعٍ جديد يضاف إلى أثقاله، فقد دمرته سنوات المواجهة، ومزقتكاهله الحسابات السياسية التي جعلت من معاناته ورقةً للمساومة، ومن قضيته مجالاً للمتاجرة. ما يحتاجه اليمن اليوم هو استعادة الإنسان لحقه في الأمن والاستقرار، وفتح الطريق أمام دولة تحفظ كرامة شعبها وتصون مصالحه، بعيدًا عن الذين يجدون في استمرار الأزمة مصدرًا للنفوذ والمكاسب.

المفارقة المؤلمة أن بعض القوى السياسية تستطيع أن تجد في استمرار الأزمة ما يخدم حساباتها. فكلما طال أمد الانقسام، بقيت القضية حاضرة في الخطاب، وبقيت معها مساحة للتفاوض والظهور وتبادل الاتهامات وتقديم الذات باعتبارها ممثلًا وحيدًا لمصالح اليمنيين. وعندما تصبح الأزمة مصدرًا للنفوذ، تتحول معاناة الناس من مسؤولية أخلاقية إلى ورقة سياسية.

هنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن القضية اليمنية أوسع من أي حزب، وأكبر من أي جماعة، وأبقى من الأشخاص الذين يتصدرون منصاتها. اليمن وطن، والشعب اليمني صاحب الحق الأول في مستقبله، ولا يحق لأي طرف أن يجعل من آلامه رأس مال سياسيًا أو أن يختزل مصالحه في مشروع فئة أو حسابات أفراد.

المتاجرة بالقضية تبدأ عندما يصبح بقاء المشكلة أكثر فائدة من حلها، وعندما يتحول السلام من غاية إلى شعار، والحوار من طريق إلى وسيلة لكسب الوقت، ومعاناة المواطنين إلى مادة للاستهلاك السياسي. عندها تصبح الكلمات كثيرة، بينما تتراجع الأسئلة الحقيقية: متى يستعيد اليمن عافيته؟ متى يعود الاقتصاد إلى خدمة الإنسان؟ متى يستعيد المواطن أمنه وكرامته؟ ومتى يصبح القرار السياسي اليمني أكثر التصاقًا بمصلحة الشعب؟

والخطر لا يأتي من الخصومة السياسية وحدها؛ فالاختلاف جزء من الحياة السياسية، أما الخطر فيبدأ عندما تتحول الخلافات إلى صناعة مستمرة للأزمة، وعندما تتقدم المصالح الخاصة على مصلحة الدولة، وعندما يصبح المواطن وقودًا لمشروعات لا يرى ثمارها.

لقد أثبتت السنوات أن استمرار الأزمة يضاعف كلفة الحياة على اليمنيين. وتؤكد الأمم المتحدة أن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من النصف منذ بداية الصراع، وأن أكثر من 80 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما تواجه الخدمات الأساسية ضغوطًا شديدة. وفي ظل هذه الحقيقة، يصبح السؤال عن المسؤولية السياسية والأخلاقية سؤالًا مشروعًا: من يعمل لإنقاذ اليمن، ومن يجد في أزمته مساحة لمزيد من النفوذ؟

ليس المقصود هنا إدانة كل صوت سياسي أو وضع جميع الأطراف في سلة واحدة؛ فاليمن ساحة معقدة تتداخل فيها قوى ومصالح متعددة، والأمم المتحدة نفسها تؤكد أن الوصول إلى تسوية مستدامة يحتاج إلى عملية سياسية يمنية شاملة يقودها اليمنيون ويملكونها. لكن التعقيد لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء الشعب رهينة الانتظار.

اليمنيون يستحقون خطابًا سياسيًا يضع الإنسان في مركز القضية، ويقيس نجاحه بما يحققه من أمن واستقرار ومعيشة كريمة، لا بعدد المنابر التي يتصدرها ولا بحجم الشعارات التي يرفعها. يستحقون قوى سياسية ترى في السلام مستقبلًا، وفي الدولة مظلة جامعة، وفي المواطن صاحب الحق الأول في الأمن والكرامة والتنمية.

إنّ دود الخل في الحالة اليمنية ليس مجرد صورة أدبية؛ إنه تحذير من أن أخطر ما يواجه القضية قد يأتي ممن يتحدث باسمها بينما يستفيد من استمرار جراحها. وحماية اليمن تبدأ من تحرير قضيته من المتاجرة، وإعادة مركزها إلى الإنسان اليمني؛ ذلك الإنسان الذي طال انتظاره، وكثرت حوله الخطابات، بينما بقي يبحث عن وطن يستطيع أن يعيش فيه بسلام.

اليمن ليس قضية للمزايدة، والشعب اليمني ليس ورقة في سوق السياسة؛ ومن أراد حقًا أن ينتصر لليمن، فليجعل غايته أن تنتهي معاناة اليمنيين، لا أن تستمر لأنها تمنحه موقعًا أو نفوذًا أو مكسبًا.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.