من يحرّك الملف الحوثي؟

من يحرّك الملف الحوثي؟
قراءة في الضغوط الإقليمية
في السياسة لا تتحرك الملفات الكبرى بمعزل عن السياقات الإقليمية والدولية، ولا تظهر موجات التصعيد من فراغ. فخلف كل حدث تتشابك المصالح، وتتقاطع الحسابات، وتتحرك القوى المختلفة وفق أهداف تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة. ومن هذا المنطلق يبرز التساؤل حول عودة الملف الحوثي إلى واجهة المشهد الإقليمي في توقيت يشهد تحولات متسارعة في المنطقة، وتغيرًا ملحوظًا في موازين التأثير والتحالفات.
خلال السنوات الأخيرة تبنت المملكة العربية السعودية نهجًا يقوم على تعزيز الاستقرار الإقليمي، وتغليب الحلول السياسية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات واسعة النطاق قد تجر المنطقة إلى دوائر جديدة من التوتر. وقد انعكس هذا التوجه في العديد من الملفات الإقليمية التي تعاملت معها الرياض بمنطق الدولة التي تدرك حجم مسؤولياتها ومكانتها وتأثيرها في أمن المنطقة واستقرارها.
ومع كل خطوة تتجه نحو التهدئة، برزت في المقابل مؤشرات تصعيد في بعض الملفات المرتبطة بأمن المملكة، وفي مقدمتها الملف الحوثي. وهنا يطرح المراقبون سؤالًا مشروعًا: هل ترتبط عودة هذا الملف بحسابات يمنية داخلية فحسب، أم أن هناك أطرافًا إقليمية ودولية ترى في استمرار التوتر وسيلة لإعادة تشكيل الحدث بما يخدم مصالحها الاستراتيجية؟
إن قراءة تطورات المنطقة خلال الأعوام الماضية وما تلاها من أحداث تكشف أن بعض القوى الكبرى تنظر إلى الأزمات الإقليمية بوصفها أدوات لإعادة توزيع النفوذ وترتيب التحالفات. وفي مثل هذه البيئات السياسية تصبح الجماعات المسلحة والأزمات الممتدة أوراقًا قابلة للتوظيف والضغط والمساومة. لذلك فإن أي تحليل موضوعي للملف الحوثي يحتاج إلى النظر إليه ضمن إطار أوسع يتجاوز حدود الساحة اليمنية ليشمل شبكة المصالح والتجاذبات التي تحيط بالمنطقة بأسرها.
وفي خضم هذه التحولات، مازالت السعودية متمسكة بخيارها القائم على حماية أمنها الوطني، ودعم استقرار المنطقة، والتعامل مع التحديات وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وهي رؤية تنطلق من إدراك عميق بأن الانفعالات الآنية قد تحقق مكاسب محدودة، بينما تصنع الحكمة السياسية والاستقرار المستدام إنجازات أكثر رسوخًا وأثرًا.
لقد تعاملت المملكة مع تلك التطورات وفق رؤية تقوم على الحكمة، وحماية مصالحها العليا، وتجنب الانجرار إلى صراعات تستنزف قدراتها، واستندت السياسة السعودية إلى قراءة متوازنة للمتغيرات، مع تقديم المصلحة الوطنية على أي حسابات أخرى.
آخر الكلام:
وهنا تأتي أهمية التساؤل: من يحرّك الملف الحوثي في هذه المرحلة تحديدًا؟ وما طبيعة الرسائل السياسية الكامنة خلف عودة التصعيد ؟ وهل نحن أمام تطورات محلية مرتبطة بالواقع اليمني، أم أمام فصل جديد من فصول الضغوط الإقليمية التي تتقاطع عندها مصالح قوى متعددة؟ أسئلة تستحق التأمل والبحث لفهم السياق بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من منطق السياسة وموازين المصالح.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي


