حين يبني الوقف حضارة

حين يبني الوقف حضارة
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
ليست الحضارات بما تمتلكه من ثروات فحسب، بل بما تتركه من مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة عبر الأجيال. ومن أعظم المؤسسات التي صنعت نهضة الأمم الجامعات، ومن أعظم ما حفظ لهذه الجامعات رسالتها واستقلالها الوقف العلمي، الذي منحها الاستدامة والقدرة على البحث والابتكار بعيدًا عن تقلبات التمويل.
ومن محاسن الشريعة الإسلامية الصدقة الجارية، وقد حمل كثير من العلماء هذا المعنى على الوقف، وعدوه من أجلّ صور البر ومكارم الأخلاق. ولم يكن الوقف في الحضارة الإسلامية مجرد عمل خيري، بل كان مشروعًا حضاريًا أسهم في بناء المدارس والمكتبات والكليات، ونشر العلم، وكفالة العلماء والطلاب.
ورغم أن العالم الإسلامي عرف الوقف العلمي منذ قرون، فإن هذا التقليد تراجع مع الزمن، بينما واصلت جامعات غربية تنمية أوقافها حتى أصبحت تمثل أحد أهم مصادر تمويلها إلى جانب الرسوم الدراسية، وعوائد البحث العلمي، والاستشارات، والابتكارات، وبراءات الاختراع.
وتعد جامعة هارفارد من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ تمتلك أحد أكبر الأوقاف الجامعية في العالم، وتُدار أموال الوقف باحترافية عالية لتمويل المنح الدراسية والكراسي العلمية والمختبرات والمشروعات البحثية. كما تمتلك جامعات ييل وستانفورد وبرنستون أوقافًا ضخمة كان لها أثر مباشر في تفوقها الأكاديمي والبحثي.
وفي أوروبا، وإن اختلفت النماذج القانونية، فإن جامعات عريقة مثل أكسفورد وكامبردج استفادت عبر قرون من الأوقاف والهبات والكليات الوقفية التي وفرت لها استقلالًا ماليًا، وأسهمت في استقطاب أفضل العلماء والباحثين.
ولذلك لم يعد نجاح رئيس الجامعة في كثير من الجامعات العالمية يقاس بقدرته على الإدارة الأكاديمية فحسب، بل بقدرته أيضًا على تنمية الوقف الجامعي، وبناء الشراكات مع الخريجين والمحسنين والمؤسسات المانحة، بما يضمن استدامة الموارد المالية.
إن الوقف الجامعي لا يمول المباني فقط، بل يمول الأفكار؛ فهو ينشئ الكراسي البحثية، ويدعم الباحثين، ويمنح الطلاب المتفوقين فرصًا عادلة، ويحول الجامعة إلى مؤسسة منتجة للمعرفة لا مستهلكة لها.
وفي المملكة العربية السعودية، ومع التحول الكبير الذي تقوده رؤية 2030، تبدو الحاجة ملحة إلى التوسع في الأوقاف الجامعية بوصفها رافدًا للاستدامة المالية، وشريكًا في بناء اقتصاد المعرفة، وداعمًا للبحث العلمي والابتكار.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، وإنما في الإنسان، ولا يوجد استثمار أكثر بقاءً من وقف يخرّج عالمًا، أو يمول باحثًا، أو يكتشف علاجًا، أو يبتكر تقنية تغير حياة الناس. فالوقف الذي يبني جامعة لا يشيد مبنى، بل يبني حضارة تمتد آثارها لعقود وربما لقرون.
كاتب رأي
